فكائن تركنا من قتيل ملحب ... وأرملة تدعو على بعلها لهفا
رضا الله ننوي لا رضا الناس نبتغي ... ولله ما يبدو جميعاً وما يخفى
وقال عباس بن مرداس أيضاً:
ما بال عينك فيها عائر سهر ... مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر
عين تأوبها من شجوها أرق ... فالماء يغمرها طوراً وينحدر
كأنه نظم در عند ناظمة ... تقطع السلك منه فهو مئتثر
يا بعد منزل من ترجو مودته ... ومن أتى دونه الصمان فالحفر
دع ما تقدم من عهد الشباب فقد ... ولى الشباب وزار الشيب والزعر
واذكر بلاء سليم في مواطنها ... وفي سليم لأهل الفخر مفتخر
قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا ... دين الرسول وأمر الناس مشتجر
لا يغرسون فسيل النخل وسطهم ... ولا تخاور في مشتاهم البقر
إلا سوابح كالعقبان مقربة ... في دارة حولها الأخطار والعكر
تدعى خفاف وعوف في جوانبها ... وحي ذكوان لا ميل ولا ضجر
الضاربون جنود الشرك ضاحية ... ببطن مكة والأرواح تبتدر
حتى دفعنا وقتلاهم كأنهم ... نخل بظاهرة البطحاء منقعر
ونحن يوم حنين كان مشهدنا ... للدين عزاً وعند الله مدخر
إذ نركب الموت مخضراً بطائنه ... والخيل ينجاب عنها ساطع كدر
تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا ... كما مشى الليث في غاباته الخدر
في مأزق من مجر الحرب كلكلها ... تكاد تأفل منه الشمس والقمر
وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا ... لله ننصر من شئنا وننتصر
حتى تأوب أقوام منازلهم ... لولا المليك ولولا نحن ما صدروا
فما ترى معشراً قلوا ولا كثروا ... إلا قد أصبح منا فيهم أثر
وقال عباس بن مرداس أيضاً:
يا أيها الرجل الذي تهوي به ... وجناء مجمرة المناسم عرمس
إما أتيت على النبي فقل له ... حقاً عليك إذا اطمأن المجلس
يا خير من ركب المطي ومن مشى ... فوق التراب إذا تعد الأنفس
إنا وفينا بالذي عاهدتنا ... والخيل تقدع بالكماة وتضرس
إذ سال من أفناء بهثة كلها ... جمع تظل به المخارم ترجس
حتى صبحنا أهل مكة فيلقاً ... شهباء يقدمها الهمام الأشوس
من كل أغلب من سليم فوقه ... بيضاء محكمة الدخال وقونس
يروي القناة إذا تجاسر في الوغى ... وتخاله أسداً إذا ما يعبس
يغشى الكتيبة معلماً وبكفه ... عضب يقد به ولدن مدعس
وعلى حنين قد وفى من جمعنا ... ألف أمد به الرسول عرندس
كانوا أمام المؤمنين دريئة ... والشمس يومئذ عليهم أشمس
نمضي ويحرسنا الإله بحفظه ... والله ليس بضائع من يحرس
ولقد حبسنا بالمناقب محبساً ... رضي الإله به فنعم المحبس
وغداة أوطاس شددنا شدة ... كفت العدو وقيل منها: يا احبسوا
تدعو هوازن بالإخاوة بيننا ... ثدي تمد به هوازن أيبس
حتى تركنا جمعهم وكأنه ... عير تعاقبه السباع مفرس
قال ابن هشام: أنشدني خلف الأحمر قوله: " وقيل منها يا احبسوا " .
قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مرداس أيضاً:
نصرنا رسول الله من غضب له ... بألف كمي لا تعد حواسره
حملنا له في عامل الرمح راية ... يذود بها في حومة الموت ناصره
ونحن خضبناها دماً فهو لونها ... غداة حنين يوم صفوان شاجره
وكنا على الإسلام ميمنة له ... وكان لنا عقد اللواء وشاهره