الاستضعاف والذل إلى الحرية والكرامة ، وتكونت منهم أمة تحكم بشريعة الله ، وإذا كانت حياة عيسى عليه السلام قد تميزت بجانبها الروحاني الشفيف اللطيف ، في مواجهة المادية الطاغية التي كانت تسود وجه الأرض ، وتربية مجموعة من التلاميذ ( هم الحواريون ) على درجة عالية من الخلق والروحانية والطاعة لتعاليم رسولهم .. فإن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قد استوعبت ذلك كله في طياتها ، وكان أثره في كل جانب من هذه الجوانب أعظم من كل من سبقوه من الرسل الكرام . وذلك كله من فضل الله عليه وهو يعده للرسالة الخاتمة : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) [ الصف : 9 ] .
( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) [ النساء : 113 ] .
(7) - مدرسة التربية (1)
السيرة النبوية هي المدرسة التربوية للجيل الصالح : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) [ الأحزاب : 21 ] .
لقد حوت هذه السيرة كل ما يكفل إنشاء " الإنسان الصالح " الذي يدعو إليه الإسلام وتقتضيه الخلافة الراشدة في الأرض .0
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: " كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ: يَرْضَى لِرِضَاهُ، وَيَسْخَطُ لِسَخَطِهِ " (2) عبارة مختصرة جامعة . معناها أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الترجمان الحيّ لكل ما ورد في القرآن من توجيهات وأوامر ونواهٍ وقيم ومبادئ وأخلاقيات .
(1) - انظر كتاب حياة الصحابة
(2) - شرح مشكل الآثار - (11 / 265) (4434 ) صحيح لغيره
وَهَذَا أَيْضًا أَحْسَنُ مَا يَكُونُ النَّاسُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ آدَابِ الْقُرْآنِ وَمِنْ مَا دَعَا اللهُ النَّاسَ فِيهِ إِلَيْهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْهُ إِلَى مَا سِوَاهُ .