والقرآن يوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء والرسل من قبله : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) [ الأنعام :89 ، 90 ] .
فكيف يكون حالنا نحن البشر العاديين ؟ ألسنا أحوج إلى القدوة وأحوج إلى الالتزام ؟
(11) أولو العزم من الرسل
يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم : ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) [ الأحقاف : 35 ] .
وواضح من الآية أن الصفة البارزة في أولئك الرسل أولي العزم هي الصبر ، ذلك أنها هي الصفة التي يطلب الله عز وجل من رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يتأسى بهم فيها من بين صفاتهم العديدة .
وكل الرسل - كما رأينا في الفقرة السابقة - ذوو صبر وثبات وتحمل . فلا بد أن يكون اختصاص " أولي العزم " بهذا الوصف الذي وصفهم به الله في كتابه الكريم ناشئاً من زيادة في صفة الصبر عن الرسل العاديين ، وقدرة فائقة على تحمل الشدائد ، وثبات في مواجهة المواقف الصعبة التي مرت بهم في أثناء قيامهم بالدعوة إلى التوحيد .
وإذا كان الرسل جميعاً هم هداة البشرية وقادتها ، وهم موضع القدوة والأسوة ، فإن في حياة أولي العزم من الرسل عبراً خاصة ، لطول جهادهم ، وكثرة المواقف الصعبة التي تعرضوا لها ، وثباتهم في وجه العواصف المزلزلة التي تنخلع لها القلوب ، واطمئنانهم إلى قدر الله ووعده بالنجاة والنصر .. ثم فيما حل بالمكذبين من أقوامهم من هلاك وتدمير .
إن الدعاة بصفة خاصة - كما قلنا في الفقرة السابقة - هم أولى الناس بأخذ العبرة من سير الرسل جميعاً . ولكنهم أجدر بأن يأخذوا العبرة من سِيَرِ أولي العزم من الرسل ، وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه ما من موقف يتعرضون له في دعوتهم إلا له مثيل أو شبيه في سِيَرهم .. ثم ينتصر الحق بعد الجهاد الطويل والجهد الشاق ، وتذهب قوى الباطل بدداً ويبقى الحق راسخاً في الأرض يظلل الناس بظلاله الوارفة ، وينعم الناس في ربوعه بالأمن ، بعد أن يكون المجاهدون قد ضحوا في سبيله بأمنهم وراحتهم ،