(لبنان بك) أمر أن أبقى ثم إلى أن يجيء هو من المدينة إلى الميناء.
ثم في أثناء الساعة الثالثة بعد الغروب جاء شرطي (أوقومسير) اسمه (حنا)
على ما أتذكر، وقال إن لبنان بك أرسله بالنيابة عنه ليأخذني إلى دار الحكومة
في المدينة لأجل توقيفي فيها (التوقيف في عرف الحكومة التركية هو الحبس
المؤقت) فاستأذنته بما استأذنت به الأول فلم يأذن وذهبنا إلى المدينة بالترام
فوضعوني في حجرة من حجر الشرطة نوافذها مكسرة الزجاج وكان فيها مصباح
صغير فيه قليل من زيت البترول نفد فانطفأ ولم يجد من في الحجرة من الشرطة
غيره وكان الماء مقطوعا عن دار الحكومة، وليس في المراحيض ورق للاستنجاء
فكان التخلي فيها متعذرا على أمثالنا كما كان النوم متعذرا لأن هواء الليل في
طرابلس يأتي من ناحية الجبل الذي يعلوه الثلج فيكون باردا جدا كما يكون هواء
النهار حارا بالنسبة إليه، ولا سيما في تلك الأيام من فصل الخريف.
ثم جاءنا الشرطة بفانوس كانوا ينقلونه من حجرة إلى أخرى، ثم قالوا: إن
الحاكم العسكري قد حضر فأخذوا الفانوس وأصعدوه على نوره إلى حجرته وتركوه
لهذ فيها، وقد بلغني بعد ذلك أن سبب مجيئه ليلا على خلاف العادة أن بعض
المقربين إليه من الوجهاء علموا بمسألة توقيفي فبلغوه ذلك إذ كان يريد النوم
وأنذروه أنه إذا بقي هذا الرجل موقوفا إلى النهار وعلم الناس بذلك فلا يؤمن أن
يثوروا ويهجموا على دار الحكومة لإخراجه عنوة وتكون فتنة كبيرة، وقد ظل
الحاكم مع ترجمانه ينظران في الأوراق ساعة و30 دقيقة وبلغني ترجمانه عنه ما
يأتي:
إنك جئت إلى هنا وكان البوليس السري يتعقبك، ولما نزلت إلى البحر أخذوا
أوراقك فوجد فيها شيء يدل على أنك تشتغل بالسياسة وفيها ما يدل أيضا على أنك
رجل مهم غير عادي [1] فأنا لا أريد أن أوقفك هنا وإذا كنت تريد السفر إلى بيروت
فتابع سفرك إليها وأنا أرسل أوراقك إلى حاكمها الإداري ليرى رأيه فيها.
قلت: أحسنت صنعا فرجالكم في بيروت أجدر بمعرفتي وإنصافي منك
وإني لأشهر مما تدل عليه الأوراق، قال: إنك لم تزرني لأعرفك.
ثم قال الترجمان للشرطي (أو القومسير حنا) الذي صحبني: خذ هذه
الأوارق (وكانت قد وضعت في ظرفين كبيرين ختما بالشمع الأحمر ولا يزالان
عندي) وهذا المكتوب وأعطوها لبوليس يسافر مع الشيخ إلى بيروت إلى دار
الحكومة فيها ويجب أن تفهموا هذا البوليس أن يكون رفيقا بغاية الأدب لا كما كانوا
يفهمون من قبل أنهم مسيطرون على من يصحبونه يتحكمون فيه ويهينونه، وأعطاه
ورقة أخرى من الحاكم إلى رئيسهم بلبنان.
ثم صافحت الحاكم ونزلت معه إلى خارج دار الحكومة حيث ركبت عربة
وركب معي نسيبي الشيخ حسن وأخي السيد إبراهيم أدهم وهما لم يفارقا دار
الحكومة منذ جاءا معي، وركب معنا شرطي يحمل الورق وقصدنا الميناء فألفينا
(لبنان) في الطريق عائدا منها فأعطاه الشرطي رقعة الحاكم له فأرجعنا إلى دار
الحكومة ولم يرض أن أسافر في البحر، وأمر حنا بأن يستأجر لي عربة من مالي
ويرسلني في البر وكان يتكلم بغلظة وخشونة وعظمة الحاكم القاهر المستبد، ووكل
إلى حنا تنفيذ الأمر وذهب.
وفي أثناء الساعة الثالثة الزوالية بعد نصف الليل أحضرت المركبة (وأجرتها
450 قرشا مصريا صحيحا كما زعموا وليس لي أن أعارض) والشرطي الذي
يحمل الورق فأوصاه حنا بما يأتي:
إذا صادفت في الطريق أحدا يريد أخذ الأوراق فأطلق عليه الرصاص وإذا
أراد أحد أخذ الشيخ منك فأطلق الرصاص على رجل الشيخ (أو قال رجليه)
وعلى من يحاول أخذه.
ثم ركب معنا حنا نفسه وجندي مسلح إلى أن تجاوزنا بساتين طرابلس لئلا
يكون أحد من الأهالي علم بأمرنا وكمنوا بين الأشجار ليأخذوني عنوة، وهو يجهل
أن مثلي لو كان جانيا لترفع عن الهرب، فكيف وهو يعلم أنه ليس في أوراقه ما
يمكن أن تعاقبه عليه السلطة الفرنسية مهما يكن ضغطها على المسلمين شديدا في