ولكن جمود اللورد كرزون على سياسة الطمع القديمة والتعصب الديني والجنسي
الذي يشاركه فيه مستر لويد جورج على مرونته وتقلبه - من أكبر أسباب ما تفاقم
على إنكلترة من الكوارث السياسية وعجزها عن حل شيء منها.
بعد هذه الاستطراد أقول: إنني لم أكن أحاول إقناع مسيو جورج بيكو برأيي
لأجل عمل يرجى أن يأتي منه، كيف وقد كان هذا الكلام في أيام تنفيذ معاهدة
1916 التي وضعها هو وصديقه السير مارك سايكس بين الدولتين؟! وكانت والجنود
البريطانية تخرج بذخائرها وسلاحها من سورية الشمالية كلها وتتركها للجيش
الفرنسي بعد تنازع وقع بينهما في سبيل تنفيذها ظهر أثره في سورية كما ظهر في
باريس ولندن حتى قال بعض دهاقين السياسة: إنها نقضت نقضا، ومنهم مسيو
كلمنصو رئيس الوزارة الفرنسية لذلك العهد وكانت فرنسة يومئذ تريد أن تتخذ اتفاق
الأحزاب السورية على طلب وحدة البلاد وسيلة لجعلها كلها تحت سيطرتها باسم
الانتداب، فعارضتها السياسة الإنكليزية بحزب سوري تألف في مصر يطلب أن
يكون الانتداب لحكومة الولايات المتحدة ويحمل الأمير فيصل لحزبه في الشام على
طلب جعل الانتداب لإنكلترة وحدها، فإن لم يمكن فلها ثم لحكومة الولايات المتحدة
الأمريكية إذا هي لم تقبل، وقد كان المظهر الأكبر لهذا التنازع بين السياستين في
البلاد أيام إلمام الوفد الأمريكي بها لاستفتاء أهلها في مستقبلهم وفي اختيار الدولة
المنتدبة.
وفي السابع عشر من المحرم (12 أكتوبر) ذهبت من بيروت إلى طرابلس
والقلمون في سيارة فأقمت فيهما ستة عشر يوما طلبت في أثنائها من الحكومة إعادة
وقف جامع القلمون إلي؛ إذ كنت الإمام والمتولي الشرعي لها وكانت إدارة الأوقاف
تولت أمره منذ بضع سنين وحال انقطاع المواصلات بالحرب العامة دون مطالبتي
إياها بإعادته إلي كما كان في عهد والدي - رحمه الله تعالى - فوافقت لجنة
الأوقاف بطرابلس على إعادته، وقررت باتفاق الآراء أنني المتولي الشرعي وكتب
مأمور الأوقاف بذلك إلى مدير أوقاف الولاية في بيروت فأزمعت الذهاب إلى
بيروت لإتمام هذا الأمر الذي جرى لي فيه من العبر ومعرفة الخلل في الحكومة
وأخلاق رجالها وسيرتهم ما يعلم به أن جل ما تشكو منه البلاد فهو من أهلها أو
بمساعدتهم ويستحق أن يفرد له فصل خاص، وإنما كلامنا الآن في الحال السياسية.
حادثة تعرض السلطة الفرنسية لنا
في الثالث من صفر (28 أكتوبر) أخذت ورقة للسفر من طرابلس إلى
بيروت في باخرة فرنسية تسافر من الميناء ليلا وكنت في الميناء فأردت النزول
إلى الباخرة فقيل لي إن السفر يتوقف على توقيع السلطة الفرنسية على جواز السفر-
وهذا لم يكن من قبل - وكان من التسهيل غير المنتظر أن الشرطة وقعت على
الجواز إذ عرضه عليها من تبرع لذلك من معارفنا ومعارفهم، ولا أدري أكان في ذلك
دخل متوخى أم لا، ولكننا لم نكد نضع متاعنا في الزورق مع متاع كثير من
المسافرين إلا وفاجأنا الشرطة ففتحوا جميع صناديقي والأسفاط ومحفظة الورق
ومحفظة النقود وبطائق الزيارة وفتشوا كل ذلك تفتيشا دقيقا لم يغفل فيه طيات
الثياب ولا جيوبها ثم فتشوا جيوبي وأخذ شرطي جميع الأوراق ودعاني إلى الذهاب
معه إلى إدارة المكس (الجمرك) فذهبنا وأعيد المتاع إلى حيث كان، وطفقوا هناك
ينظرون في الأوراق نظرا دقيقا وكان جل عنايتهم وأشد دقتهم فيما ظنوا بجهلهم
وغباوتهم أن فيه أسرارا سياسية ينال مكتشفها أسنى الجوائز عند السلطة الفرنسية
وهو فهرس وضعته للجزء الثامن من تفسير القرآن راعتهم أرقامه، فظنوا فيها
الظنون على أنني أخبرت الباحث فيه بأنه فهرس لكتاب في التفسير، فقال: يمكن
أن يكون كتب في أثنائه شيء سياسي! !
ولما طال هذا البحث استأذنت الشرطي في الذهاب إلى دار نسيبي الشيخ
حسن الصفدي لأجل العشاء وصلاتي العشاءين وتغيير الثياب فأبى وقال: إن رئيسه