تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك الوقت مقاومة للفكرة العربية والتعلق بفيصل، ولو عاقبته لما زاده عقابها إلا

رفعة قدره، على أن الشرطي الذي أرسل معي كان مسلما فلم يكن محتاجا إلى

التوصية بالتأدب معي بل كان من أولياء بيتنا ويتمنى لو يكون في خدمتي طول

عمره، وكان إرساله معي مما أثار عجبه وعجبي فكيف وقد أوصي بتلك الوصية

الحمقاء التي كان يتلذذ بمثلها أولئك المتعصبون من أوشاب اللبنانيين الذين يعتقدون

أن فرنسة حكمتهم في أشراف المسلمين وعلمائهم - بله عامتهم - تقربا إلى يسوع

المسيح والرسل والقديسين فكانوا حجة على فرنسة بأنها إما ظالمة سيئة الإدارة وإما

متعصبة سيئة النية، وسببا لشدة نفور المسلمين واستيائهم منها وتفضيل الإنكليز

عليها وشرا على وطنهم بإلقاء البغضاء والتفريق بين الفريقين الكبيرين من أهله كما

يعلم مما مر في هذه الرحلة، ومن بقية هذا الفصل منها، على أن هذا كان مفيدا

للمسلمين من حيث إنه قوى فيهم نزعة الجنسية العربية وحب الاستقلال ومعرفة

قيمته كما قوى فيهم روح الدين وأعاد إليهم بعض ما فقدوا من هدايته، وكان جميع

المشتغلين بالسياسة من خصوم الاحتلال الفرنسي يسرون بسوء تصرفها وتصرف

أعوانها ولا يحبون أن تحسن الإدارة لئلا يميل إليها الجمهور.

ولو كان أمثال (لبنان وحنا) ممن اصطفاهم الفرنسيس من بيوتات لبنان

المعروفة أو من الأفراد الذين تربوا تربية ترفع من خسة المنبت ووراثة السوء لما

كانوا يعاملون مثلي بهذه المعاملة وإن أمروا بها أمرا بل كانوا ينصحون للأجنبي

الذي يأمرهم به بمثل ما ينصح لحاكم طرابلس العسكري من حملوه على خروجه

من داره ليلا ليتلافى بنفسه ما كان أمر به، فأما أبناء البيوتات فإنهم ورثوا الأدب

الشرقي في احترام الأسر الشريفة والعشائر المحترمة، وأما أبناء التربية الحسنة

فيعرفون قيمة العلم والأدب ويحترمونه بالطبع فينزهون أنفسهم معهم عن سوء

الأدب.

وأما ما كان من أمر هذه الحادثة في بيروت فهو أننا لما وصلنا إليها وكان ذلك

بعد المغرب من يوم الأربعاء صادفنا في الطريق إلى دار الحكومة بعض الأصدقاء

فسار أحدهم معنا إليها وانتظر آخرون ما يعود به من الخبر ليبنوا على ما يقع لنا ما

يجب أن يعمل لتلافيه إن كان شرا، ولما دخلت دار الحكومة لقيت فيها لدى الباب

الشيخ عبد الكريم اليافي نقيب أشراف بيروت من أصدقائنا الأولين [2] وهو موال

للسلطة الفرنسية فسألني بعد التحية عما جاء بي إلى دار الحكومة في ذلك الوقت

فأخبرته فأخبر حاكم بيروت أو نائبه بخبري مقرونا بالثناء والتزكية والضمان غير

الرسمي، فرضي بأن أخرج وأكون حرا في بيروت إلى أن ينظروا في هذه

الأوراق وينصفوني فيها بشرط أن لا أعمل أعمالا سياسية مضادا لهم فيها.

تقريري للمندوب الفرنسي السامي

كان هذا الحدث وسيلة لي إلى كتابة تقرير للمعتمد الفرنسي بدأته بالتذكير بما

دار بيني وبينه وشرحت فيها ما كنت أجملته في الحديث معه يوم لقائه من اضطهاد

المسلمين بما لم أكن أعلمه يومئذ لقرب العهد بالوصول إلى بيروت ومنها كون

النسبة إلى العرب من كبار الذنوب السياسية مع كونه هو وكثير من كبار رجال

فرنسة قد صرحوا بأنهم يريدون إحياء الجنسية العربية ولغتها ومدنيتها.

ثم ذكرته فيه بتفضيله الفرنسيس على الإنكليز في معرفة أقدار الناس من

أفراد أو شعوب وقفيت على ذلك بإعلامه بأنني كنت في مصر أنتقد سياسة الإنكليز

كتابة وخطابة وقولا في المجالس العامة والخاصة وقدمت لهم في أثناء الحرب

وبعدها مذكرات في تخطئة سياستهم في المسألتين العربية والإسلامية (حتى

التركية) وآخرها المذكرة التي أرسلتها إلى وزيرهم مستر لويد جورج وأنذرته فيها

بعداوة العالم الإسلامي لهم، وأنه قدمت إليهم تقارير كثيرة في أمثال هذه المسائل

(علمت هذا من نائب الملك وغيره) وكانوا يعلمون أن لي علاقة ودية بأمراء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٣٨