تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17 محرم - 1317ه

27 مايو - 1899م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

حياة الإسلام في مصر

كلما ذاق كأس مرير ... جاء كأس من الرجا معسول

يزداد في كل يوم طوفان السياسة الإنكليزية فيضانا على مصر فيجرف كل ما

يعترض في سبيله ويغمر المصالح ويعلو جميع المنافع، حتى إنه ليتراءى للمشرف

على مجاري سيوله أن الأمة المصرية قد غرقت منه في بحر لجي تعلوها أمواجه

والفيض على ما جاورها أثباجه. ففقدت بذلك الحياة السياسية. وأضاعت المزايا

القومية. وانقطعت منها الآمال في الحال والمآل. حكم ناموس تنازع البقاء العام

الذي لا يقبل النقض بعد الإبرام. فيلتهم القوي بمقتضاه حق الضعيف ويسود العالم

الجاهل. ويقيس الناظر مصر على الهند وجاوا وسائر البلاد الإسلامية التي أظلتها

السلطة الأوربية؛ فحالت بينها وبين كل تقدم وارتقاء.

كل هذا يخطر في البال ويجول في فضاء الخيال، ولكن حديد النظر بعيد الفكر

يعلم أن من مقتضى ناموس تنازع البقاء أيضا مجاراة كل أمة لمجاورتها في أسباب

الارتقاء وتقليد القوية للضعيفة في وسائله إذا كانت على علم بها ولو بالإجمال (وكل

من سار على الدرب وصل) وإن قياس المصريين على الهنديين والجاويين قياس

مع الفارق. والفرق من وجوه شتى:

أحدها - أن الأجانب استولوا على الأولين وهم على جهل تام بأحوال الاجتماع

البشري؛ فكان أهم عمل لهم بعد فقد استقلالهم معاداة كل ما عليه الأوربيون من

العادات، ومحاربة ما عندهم من العلوم والفنون وطرق السياسة والاقتصاد

وسائر الشؤون الاجتماعية، والمصريون ليسوا كذلك.

وثانيها - أنه لم يكن عندهم جرائد حرة تعرفهم ما لهم وما عليهم وما هم فيه،

ولم يكن لهم روح اجتماع بحيث تتلاقى أفكارهم في جو واحد، وإن تلاقي الأفكار في

جو واحد نافع وإن كان هواؤه فاسدا؛ لأن التفرق لا يأتي إلا بالشرور، والاجتماع

ولو على الباطل والخطأ مبدأ للوحدة لما يتوقع بعده من الانتقال إلى الاجتماع على

الحق والصواب. والمصريون قد سبق لهم اجتماع من عهد قريب باسم الأمة

والوطن وهو ما كان من أمر الثورة العرابية العشواء ثم ما كان من الغيرة على الدولة

العلية في حالة الحرب الأخيرة ثم في حالة الإعانة العسكرية الشاهانية، فقد ظهر من

المصريين في هاتين الحالتين من الإخلاص والغيرة والبذل مع ما يعتقدون من عدم

ارتياح حكومتهم لذلك ما لم يظهر من غيرهم من العثمانيين.

ثم إن لهم اجتماعات من دون هاتين كالاحتفال بعيد الجلوس الهمايوني الذي

بذلت فيه أموال كثيرة، وكالعناية والاهتمام بمحاكمة صاحب جريدة المؤيد التي يعتقد

السواد الأعظم بصدق وطنيتها وابتهاجهم بما كان له من الفلج على الحكومة التي

كانت خصمه في تلك المحاكمة، وهذا وما قبله ليس بالأمر الصغير من شعب هو

أشد الشعوب هيبة لحكومته وخضوعا لها، وعندهم جرائد يعرفون من مجموعها ما

لهم وما عليهم، نعم، إن الدهماء منهم يرجحون فيها الوهم على الحقيقة ويختارون

الهزل على الجد وهذه هي العقبة الكبرى في طريق ارتقاء الجرائد.

ثالثها - أن المصريين يمتازون على سائر الشعوب الإسلامية بأمرين عظيمين

وهما: المنافسة، وسرعة قبول الإصلاح إذا جاء على يد عظيم محترم إما

لدينه وإما لما يرجى من خيره أو يخشى من شره، فإذا تسنى لبعض الكبراء فيهم

إشراع مناهج الارتقاء الاقتصادي والأدبي، وإن شئت قلت الديني والدنيوي، فلا

يلبثون أن يتباروا ويتنافسوا في السباق؛ حتى لا تدرك شأوهم الشعوب الأخرى التي

تفوقهم في الهمة والإقدام والثبات كالسوريين وغيرهم.

إن أمام المصريين وسائر المسلمين سدا منيعا من الوهم يحول بينهم وبين

السير في طريق الترقي، فإذا استطاعوا أن يظهروه أو ينقبوه، ولا أقول: أن

يدركوه. يتسنى لهم الإيجاف والإيضاع في ذلك المنهاج الواضح، والمهيع الواسع.

وإن ذلك السد هو الاعتماد على دولهم وحكوماتهم التي أمست أغلالا في أعناقهم

وسلاسل في أيديهم وقيودا في أرجلهم وغشاوة على أبصارهم ووقرا في أسماعهم

ورينا على قلوبهم. وكل ما نزل بالمسلمين من بلاء فإنما نزل من سماء عظمتهم

واستبدادهم. وإن تعجب فعجب قول من ليس للدولة العثمانية في بلادهم أمر ولا

نهى ولا نفوذ ولا سلطان: (إن حياتنا بين يدي المابين! وإن السعادة ستهبط علينا

من أفق الباب العالي) وهم يعلمون أن البلاد التي تحت جناح المابين ونفوذ الباب

العالي تنقص من أطرافها ويتمزق أهلها كل ممزق، ولا ينال تلك البلاد وأهلها من

المابين والباب العالي إلا الاعتراض على من مزق الأشلاء وشرب الدماء!

ماذا جنى ويجني أهل جاوا والهند ومصر من الظهور القولي في حب

مظاهرة الدولة العثمانية؟ لعمرك إنهم لا يجنون إلا الحنظل والزقوم؛ فإن هولاندا

وإنكلترا كلما آنستا منهم إليها ميلا أو سمعتا منهم فيها قولا - تزيدان عليهم الضغط

والاضطهاد والقهر والاستبداد. أو لا يرون أن الدولة لا ترجع إليهم قولا ولا تملك

لهم ضرا ولا نفعا؟ ! لا أقول لهؤلاء المسلمين: أبغضوا الدولة العثمانية. ولكني

أقول: إذا أحببتموها فاكتموا حبها ولا ترجوا منها ما لا ينال واعتمدوا في رقيكم على

المعونة الإلهية ثم على جدكم وكدكم وعلمكم وعملكم، فإن رأيتم من الدولة نهضة

فعلية فانهضوا معها إن كنتم صادقين. كل عاشق يحذر العذال والرقباء فكيف لا

تحذرون؟ ألم تعلموا أن الدولة لا ينالها من كثرة لغطكم بذكرها إلا مثلما ينالكم من

الضغط الأوربي والاضطهاد؟ نعم، إن السلطان يفرح ويسر من خضوعكم له

ولهجكم بتمداحه، ولكن هل تشترون فرح شخص وسروره بمصالحكم ومصالح

الدولة؟

أقول هذا، وأنا اعتقد أنه لباب النصح الذي يوجبه علينا ديننا وإخلاصنا لأمتنا

ودولتنا، ومن بين لنا بالبرهان أننا مخطئون، فإننا نرجع إلى رأيه. وإذا كان القول

صوابا، فعلى إخواننا المسلمين أن يتدبروه، وعلى جرائدهم أن ترجع صداه،

والمنتظر من الجرائد الهندية التي تتفضل دائما بترجمة مقالات المنار أن تنقله إلى

لغتها ليحيط به قراؤها علما.

أيها الإخوان المصريون، لا يروعنكم طوفان الاحتلال، ولا تقنطوا من النجاح

لاستئثار الأجانب بالوظائف والمناصب وعبثهم بالمصالح والمنافع، فنجاح وطنكم

بالزراعة والاقتصاد وحياة أمتكم كلها بالمعارف، وإن الإسلام لينتظر منكم ما لا

ينتظر من سواكم، فأنتم أكثر المسلمين بذلا للدرهم والدينار، وأشدهم منافسة ومباراة

في طرق الفخار، تبذلون الألوف والملايين للدنيا وباسم الدين، ولا حاجة للإسلام

بعمارة المساجد؛ فإنها تزيد على حاجة المصلين، ولا لإقامة الموالد؛ فإنها من بدع

المحدثين، وليس الفخار بالنفقات الواسعة في الأفراح والمآتم والوضائم، ولا ببناء

القصور و (الأحواش) على القبور. وإنما حاجة الإسلام - وفيها الفخار الحقيقي

والشرف الصحيح - إلى بناء المدارس، والنفقات الواسعة على تعميم المعارف، لكن

لا لأجل خدمة الحكومة، بل لأجل خدمة الأمة، أفلا يوجد فيكم - يا قوم - عاقل

فهم هذا ووقف على سر أن تقدم أوربا هو الهبات المالية للعلم فأقدم على العمل لتقدم

أمته؟ !

ألا يوجد مسلم يوقن بأن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم لإعلاء كلمته

ونصرة دينه فيبذل ماله في سبيل الله؟ ألا يوجد فيكم محب للمحمدة الحقة والمجد

المؤثل يعمل عملا، كهذا يحفظه له التاريخ إلى الأبد. ويكون مفخرا لقومه ما بقي

منهم أحد؟ ، بلى، إن الاستعداد لهذه الأعمال متأصل فيكم وأنتم أحق بها وأهلها،

ولكن عدت على الروابط العمومية عواد، اشتبه بها على الناس سبيل الرشاد،

و ﴿الآن حصحص الحق﴾ (يوسف: 51) وبادر إلى العمل أهل الإخلاص والصدق

﴿والسابقون السابقون * أولئك المقربون﴾ (الواقعة: 10-11) .

أول من فتح هذا الباب صاحب السعادة المفضال عثمان باشا ماهر الذي كان

رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية إلى عهد قريب، فإنه وقف منذ سنين 250 فدانا

على الأزهر الشريف، ومنذ أيام ألحق بهذا الوقف أحد عشر فدانا أخرى ثم وقف بقية

أطيانه - وهي 445 فدانا أو تزيد، يبلغ ريعها في السنة نحو مائة جنيه - على

إنشاء مدرسة إسلامية تعلم العلوم الشرعية. والآلية من معقول ومنقول وفروع

وأصول. وقام في إثره الفاضل الغيور علي بك فهمي المهندس المقاول الشهير بالبر

والإحسان يشرع في عمل عظيم، ألا وهو إنشاء (دار علوم) على نحو دار العلوم

التي أنشأها الطيب الذكر والأثر علي باشا مبارك ناظر المعارف المصرية سابقا

(رحمه الله تعالى) على نفقة الحكومة، تعلم فيها العلوم الدينية العالية وجميع الفنون

الرياضية والطبيعية التي يتوقف عليها ارتقاء الأمة ومجاراتها الأمم القوية العزيزة

وهذه هي الخدمة الكاملة للإسلام الذي بني على دعائم السعادتين، ووضع لفوز

الآخذ به بالحسنيين، وستكون تلامذتها من نجباء طلاب العلم في الأزهر، يختارون

بالامتحان، ويوقف عليها وقفا يبلغ ريعه في السنة أربعة آلاف جنيه، وهذا هو السخاء الحقيقي والكرم الحميد.

إذا قام في المصريين عدة رجال مثل هذين الرجلين الكريمين ومثل العالم

الفاضل عزتلو علي بك رفاعة (وكيل وزارة المعارف سابقا) الذي بنى مدرسة في

طهطا ووقف عليها ما يكفي لقوامها ودوامها إن شاء الله تعالى، ومثل الفاضل الهمام

سيد أحمد بك زعزوع الذي بنى مدرسة للذكور ومدرسة للبنات في بني سويف

ووقف عليهما سبعين فدانا من أحسن أطيانه، فبمثلهم تنهض البلاد وتحيا الأمة، وإذا

حييت مصر فلا ريب أن روح الحياة يسري منها إلى جميع العالم الإسلامي.

نعم، نعم، إن الحياة في تعميم العلوم الدينية والدنيوية جميعا لا بكون قاضينا

من الآستانة ولا حاجة لنا مع هؤلاء الرجال الأخيار الذين يجودون بالدرهم والدينار

إلا إلى معلمين أكفاء ومدرسين أحياء، يستخدمون الدين والعلم لكشف الغمة ونفخ

روح الحياة في جسم الأمة، ولا يخفى على نبيه أن فاقد الشيء لا يعطيه، فإلى هذا

نوجه أنظار هؤلاء المؤسسين، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله

ورسوله، ومن كانت هجرته إلى نحو رتبة ينالها أو حكومة يتقرب إليها فهجرته إلى ما هاجر إليه.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢ · الصفحة ١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢ · ص ١٦١