الكاتب: أحد الكتاب من سوريا
-----------------
<span class="footnote">
استنهاض همم
(3)
قال قائل من مستمعي حديثي: وإذا تخاذلت - والعياذ بالله - تلك الحكومات
وتباطأت عن الشروع في تأسيس هذه الوحدة ووضع مقدمات الإصلاح، وأخفق سعي
عقلاء الأمة العاملين على النهضة الساعين في تنبيه الأفكار وتنوير الأذهان، كيف
تكون النتيجة، وإلام تؤول حال المسلمين، وإلى أي منقلب ينقلبون، وهل يسلم
لواحدة من تلك الحكومات استقلالها أم يعجز كل منها عن الدفاع ويسقط بين يدي
العدو؟ هذا السؤال هو الذي حملنا على وضع هذه المقالة كما ألمعنا إلى ذلك في
فاتحتها.
ونقول في الجواب بالإجمال:
إن عاقبة تفريط المسلمين في لم شعثهم وإفراطهم في لهوهم وغفلتهم وتثاقلهم
على مداركة الخلل الساري في شؤونهم - سقوط حكوماتهم بين أيدي الأمم الغربية
شيئا فشيئا، ثم تقلص ظل شعائرهم وشرائعهم عن وجه البسيطة حالا فحالا. ولا
إخالك إلا راغبا في تقصي الأحوال غير مجتزئ بهذا الإجمال لما أنه قلما يجهله إلا
من ران على قلبه وطمست عين بصيرته.
(المسألة الشرقية) وكل واحد على شيء من العلم بالمسألة الشرقية. هي
اقتسام دول الغرب لحكومات الشرق. ما منشؤها؟ هو ذلك الينبوع الذي انبثق في
ربوع الحجاز ثم تعاظم مده وطما سيله حتى غمر معظم الأصقاع الشرقية في آسيا
وأفريقيا وتنفست أمواجه على السواحل الجنوبية من قارة أوربا وتدرجت رويدا رويدا
حتى كادت تصافح أمواج البحر الشمالي لو لم يقف شارل مارتل (ملك فرنسا) في
وجهه ويعترض جريته، ففل سورته وعرامه [1] وأرجعه أدراجه.
ما غرض ساسة أوربا في المسألة الشرقية، وما الذي حملهم على التداخل في
خويصة الشرق وشؤونه وأي عذر لهم في اقتسامه واستباحة التهامه؟ يزعمون أن
شعوب الشرق مسلوبو الخلال التي ترشحهم للمدينة فاقدو المزايا التي تؤهلهم لتكوين
أمة ذات حضارة وعمران على نسق حضارة أوربا وعمرانها. عامتهم جهلاء لا
إلمام لهم بشيء مما تتوقف عليه راحة الإنسان وانتظام معيشته الصحية والأدبية
أذلاء مستعبدون لحكامهم، لا يعرفون كيف يطالبون بحقوقهم، ولا كيف يلزمون
حكامهم حدود العدل والإنصاف. عمالهم على جهل تام بأمور الإدارة الداخلية وكيفية
ارتباطها بسياسة الأمة الخارجية لا يعلمون الواجب عليهم ليقفوا عنده ولا يحفلون
بالحقوق ليبذلوها إلى أصحابها. معظم همهم في مخالسة رشا (جمع رشوة) أو
مجالسة رشا. أمراؤهم لاهون وعن النصيحة معرضون، لا يهمهم صلاح رعيتهم ولا
يبالون بشقوتهم، ولا يصيخون لشكيتهم. يتفننون في ابتداع الأساليب لابتزاز أموال
الرعايا وإنفاقها في ضروب ملاذهم وشهواتهم سعادة. أحدهم في مراوحته بين
الافتراش والاكتراش. وبالجملة إن حكام الشرق وأمراءه استذلوا رعاياهم
وتهضموهم وبخسوهم حقوقهم وتلاعبوا بهم، كما تتلاعب الزعازع بالنباتات الغضة
والغصون اللينة.
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... فعدوا مصالحها وهم أجراؤها
وتدعي دول الغرب أن إبقاء أهل الشرق على هذه البيئة السيئة والشؤون
البهيمية وتركهم وتعاليمهم المختلة وآدابهم المعتلة وحكمهم الظالم واستبدادهم الغاشم
جناية على الإنسانية وضربة قاضية على المزايا البشرية وإخلال بتعاليم الشريعة
الأدبية، وأن الواجب والضمير يأمران أولئك الدول بالدمور [2] على أهل الشرق
والاستيلاء عليهم شاؤوا أو أبوا، ثم إن كان الشرقيون عاجزين عن إدارة بلادهم
الداخلية قصروا أيديهم عنها وتناولوها منهم وكان استعمارا صرفا، وإلا خلوا بينهم
وبينها واستبدوا بسياسة البلاد الخارجية ومصالحها العمومية الكبرى، وسموا ذلك
حماية.
ويموهون بأن هذا الحجر إنما هو موقت بزمن عجز المحجوزين وقصورهم
حتى إذا أدركوا وبلغوا الحالة التي يمكنهم معها القيام بشؤونهم الإدارية والسياسية
خلوا بينهم وبين بلادهم وودعوهم وانصرفوا مأجورين لا مأزورين. هكذا يزعمون.
ومما يقدمون عذرا - بين يدي فعلتهم هذه - قولهم: إننا قد أرخينا الطول [3]
لحكومات الشرق منذ نصف قرن وأكثر، وانتظرنا إفاقة أمرائهم من غفلتهم وانتعاشهم
من عثرتهم، وما زلنا في أطواء تلك المدة نتقدم إليهم بالوعظ تارة وبالإنذار أخرى،
وننصح لهم بأن يصلحوا شأنهم ويرعووا عن غشمرتهم، ويعرفوا لشعوبهم حقوقهم
وهم عن ذلك معرضون وبالترف لاهون وبالترهات مغترون.
هل المسألة الشرقية تقتصر في تناولها على الشعوب الإسلامية أو يتعدى
حكمها إلى سائر الأمم الأخرى؟ إنما وضعت تلك المسألة في أول أمرها لأجل
مقاومة الإسلامية ومساورة أهلها، واسترجاع ما افتتحوه من الأقطار المسيحية
والولايات الرومانية التي سقطت أمامها وعنت لسلطانها، فمن هذا تعلم أن حقيقة
المسألة الشرقية دينية، لكنها مموهة الظاهر بالصبغة السياسية التي تقدم شرحها.
ومن جراء ذلك لم يقتصروا في مدلول تلك الكلمة على الشعوب الإسلامية فقط، بل
تجاوزوا بها إلى سائر الشعوب على اختلاف أديانهم وتعاليمهم.
وما لي لا أتوخى في بحثي الصدق وأتحرى في حكمي الحق. إن فسيلة تلك
المسألة وإن كانت زرعت حبتها الأصلية لأول عهدها في تربة التحمس الديني
وسقيت بمياه الأحقاد الملية، لكنها - والحق يقال - لم تستغلظ وتستو على ساقها إلا
في هذه الأزمنة المتأخرة وبين الأمم الغربية، حيث تعهدوها بالأسمدة السياسية وأتموا
تشذيبها وعذق تربتها بمعاذق الأطماع والأغراض والأثرة الجنسية؛ فبذلك أصبحت
تلك الفسيلة شجرة عظيمة غليظة الساق ممتدة الفروع ضاربة الأغصان تظل
بأوراقها وغصونها بقاع آسيا وإفريقيا وجزائرها وشبه جزيرة البلقان، بما يسرح
فيها من الشعوب المختلفة والأمم المتباينة والقبائل المتنوعة، لا فرق تحتها بين دين
ودين، ولا تمييز بين مذهب وآخر.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) عرامه بالضم: بمعنى سورته أي: شدته وحدته.
(2) الدمور: الدخول بدون استئذان.
(3) الطول كعنب: قياد الدابة يطال لها في المرعى للتوصل إلى الكلأ ويكنى به عن الإهمال.</span></span>