الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
اختيار المعلمين
لا ينبغي أن يكون الغرض من إنشاء المدارس إفادة التلامذة بعض مسائل من
العلوم والفنون التي تدرس فيها بحيث تكون تلك المسائل مخزونة في أذهانهم مع
سائر المعلومات التي يستفيدونها من خارج المدرسة في عامة أحوالهم. وإنما يجب
أن يكون الغرض من المدارس نفخ روح السعادة الإنسانية في التلامذة. ولا ينفخ
هذا الروح إلا بتربية النفس وتهذيبها ثم دلالتها على طرق الحياة وكيفية سير الناس
فيها على الوجه الذي يؤدي إلى المقصد من غير ضلال وبأقل تعب وعناء وبيان
قطاع هذه الطرق التي تحول بين سالكيها وبين الغاية.
كل علم لا يهدي إلى طرق الحياة السعيدة فهو لغو، وأجدر به أن يسمى
جهلا، والمشتغلون بهذا اللغو أو الجهل كثيرون بل هم الذين جعلوا العلوم والفنون
المرشدة إلى الأعمال النافعة لغوا؛ إذ لا يوجد علم لا يهدي إلى عمل نافع للإنسان؛
فالعلم إما بيان للعمل اللساني أو العضوي أو القلبي، وإما ركن تستند إليه الهداية كعلم
العقائد، ولكن هؤلاء خرجوا بالعلم في التعليم والتأليف عن كونه مرشدا هاديا يبعث
الآخذ به ويزعجه إلى ما هداه إليه وجعلوه مقصدوا لذاته. جعلوه عالما مستقلا لا
مندوحة لمن يشرف عليه عن الانفصال عن العالم الوجودي. وعندما ينفصل عن
العالم الوجودي يمكنه أن يتصل بذلك العالم الخيالي (الذي يسمونه العلم) ويشاهد
بعض ما فيه من العجائب التي يتأتى له بها أن يحكم على بعض الجزئيات في عالم
الوجود بالصحة أو الخطأ إن هي عرضت له.
ويرى هؤلاء أن عالم الخيال الذي هو علمهم له الحكم والسلطان على عالم
الوجود. فإذا قرر بعض علمائهم مسائل مخالفة لما في الوجود، ولا تنطبق على سنن
الخليقة ومصالح البشر يذهبون إلى صحة ما قاله عالمهم وفساد ما في الوجود
والواقع، وإلى وجوب تبديل سنن الخلق وتحويل المصالح؛ لتوافق ما جال في خيال
المرحوم الأستاذ المؤلف، وهو في غرفته منقطعا عن العالم أو ما ألهمه وهو في
خلوته بعيدا عن الناس يستمد العلوم والحقائق من عالم الغيب، ولكن من عرف سنن
الخليقة يعلم أن محاولة تحكيم الخيال فيها عبث وجنون، وأن كل خيال يخالف الحقائق
ويصادم النواميس والمصالح جهل لا علم، ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولا في دينه
حرجا.
تعليم أمثال هؤلاء مضر غير نافع فينبغي أن لا يفوض إليهم أمر التعليم فإنهم
إذا حكموا في نفوس الأحداث الضعيفة يجورون في الحكم ولا يعدلون، ويفسدون في
أرضها ولا يصلحون.
إن اختيار الأساتذة والمعلمين أهم ما تحتاج إليه الأمم المريدة للإصلاح
والطالبة للترقي كالأمم الشرقية عامة والمسلمين خاصة، أواه أواه! ينهض رجل
غيور محب للمجد الصحيح والكمال الحقيقي فيؤسس مدرسة وطنية لخدمة أمته
ورفعة شأنه فيختار لها مكانا حسنا، ويجلب لها من الأثاث والأدوات أحسن ما يكون
في أمثالها، وماذا يكون من أمره في اختيار المعلمين وهم روح ذلك الهيكل الحسن؟
ما هي المرجحات التي تلاحظ في الاختيار من صاحب المدرسة ومستشاريه؟ يختار
في الغالب من لديه شهادة بالتحصيل، ولهم الحق في ذلك؛ لأن أصحاب الشهادات
أعلم من غيرهم في الأكثر، فلا ينبغي العدول عنهم إلا لمن يفضلهم بالمزايا التي
سنذكرها، ثم يرجح من هؤلاء من يتصل بأهل الترجيح والاختيار بقرابة أو صحبة
أو من يتخذ وسيطا من الوجهاء. ومن المرجحات المسلمة عند الشرقيين في مثل هذا
من الأمور العامة حتى أعمال الحكومة ووظائفها حاجة الرجل إلى التعيش بالوظائف
يقولون: فلان صاحب عيال، فلان من آل البيت الفلاني الذي انتابته
النوائب، فمن المروءة والكمال السعي في حفظ كرامته وإبقاء مظهره وبذلك نستحق
الأجر من الله تعالى، يقولون هذا ويعملون به وهم في غفلة عما يخربون من البيوت
بعمران هذا البيت وعما يذهبون به من كرامة الأمة كلها إذا كان الموظف غير أهل
لعمله، وعن حرمان الأمة من أبنائها النبلاء إذا لم يكن قادرا على تربيتهم وتعليمهم
على الوجه الذي يكون هاديا إلى سعادتهم وسعادة بلادهم.
أول ما تجب مراعاته في الأستاذ المعلم:
* حسن الخلق والآداب؛ فإن سيء الأخلاق يبني بتعليمه قصرا ويهدم بإفساده
آداب التلامذة مصرا.
* ويلي هذا معرفة أساليب التعليم وتمرنه عليها، فليس كل عالم يحسن التعليم.
* ثم معرفة جملة من علم الفلسفة العقلية وعلم الهيجين (مداراة الصحة)
ليعرف ما ينبغي أن يلقن للتلميذ بحسب سنه واستعداده العقلي.
* وبعد هذا وذاك يشترط أن يكون الأستاذ واقفا على أحوال عصره
الاجتماعية عارفا بمواضيع جميع العلوم والفنون المتداولة فيه وغاياتها في الجملة،
لئلا ينفر التلامذة من غير الفن الذي يقرؤه لهم مما يكون نافعا للبشر. ومعاداة العلوم
والفنون إنما تكون من الجهل بها، وهي من أكبر أسباب تأخر الأمم وضعفها لا سيما
إذا كانت من رجال الدين الذين يذمون ما يجهلون وينفرون عنه بحجة أنه مخالف
للدين، فتأخذ آحاد الأمة كلامهم بالقبول، فيحرمون من الإقبال على تلك الفنون النافعة
واجتناء ثمارها.
* وصفة أخرى من الصفات التي يرجح بها اختيار المعلمين وهي الغيرة
الملية والحمية القومية؛ فمن فقد هذه الصفة قلما تستفيد الأمة من تعليمه أبناءها.
صاحب هذا النعت الشريف هو الذي ينفخ الكمال في جسوم التلامذة، ويحبب
إليهم أوطانهم، ويغرس في نفوسهم مبدأ الميل إلى المنافع العامة. وهذه الصفة من
كمال تهذيب الأخلاق الذي ذكرناه أولا وإنما أفردناها بالذكر؛ لأن أكثر الناس لا
يخطر لهم هذا المعنى ببال عندما يذكر تهذيب الأخلاق، وقد قال بعض الباحثين في
فن التربية والتعليم من الإفرنج: إن مما تنبغي مراعاته في الأستاذين: حسن
الوجه ونظافة الثياب لما لهما من التأثير في حب التلامذة لهم واقتدائهم بهم.
ولعمري إن حب التلميذ لأستاذه من أعظم أسباب انتفاعه به، ومن ينفر من
معلمه لأي سبب من الأسباب قلما ينتفع به.
هذا ما عن لنا في هذا المقام فعسى أن يلتفت إليه أصحاب المدارس الوطنية
وطلاب العلم المختارون في انتقاء الشيوخ، والله الهادي إلى سواء السبيل.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>