المجلد رقم (2)
28 شوال - 1316ه
11 مارس - 1899م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
خطاب وعظي للإنسان
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾ (الزمر: 17-18) .
أما بعد: فيا أيها الإنسان خلقك الله وسطا بين العوالم الجسدية والروحية
وأعطاك سلطانا على العوالم السفلية والعلوية، منحك المشاعر البادية والكامنة
وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة، ولم يجعل لاستعدادك حدا معروفا، ولا لرقيك
منتهى محدودا، فلماذا قنع بعض أبنائك بالمرتبة الدنيا فوقفوا عند الدرجة السفلى؟
يتخطى إخوتهم رقابهم وهم سائرون، ويطؤون هامهم وهم صاعدون، ولكنهم
وادعون ساكنون، كأنهم لا يحسون ولا يشعرون، العبر أمامهم ووراءهم والمنبهات
عمت أرضهم وسماءهم. ولكنهم لا يعتبرون ولا يتنبهون {وجعلنا من بين أيديهم
سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} (يس: 9) .
يا أيها الإنسان، ما هذا الفرق الكبير الذي بين أفرادك. واحد كألف، وألف
كأف. بل واحد يدبر شؤون أمة كاملة حتى كأنه روح مدبرة، وهي أعضاء مسخرة
فأجدر بالإنسانية أن تقر لهذا بنسبته، وتنكر أولئك وإن كانوا على صورته
﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ (الأعراف: 179) .
ويا من خلق على صورة الإنسان، ولكنه يعيش بروح أخس حيوان. أفق من
سكرتك، وهب من رقدتك، واكفف عن التمادي في الشهوات البهيمية، والاسترسال
في التعديات الوحشية. واعلم أن لك روحا أخرى إذا غلبتها على هواك، وحكمتها في
قواك. فإنك ترتقي إلى حال جديدة تحيا بها حياة سعيدة {إن في ذلك لآيات
لقوم يعقلون} (الرعد: 4) .
ويا أيها الشرقي تذكر وتدبر، واعلم أن ذنوب الأمم لا تغفر، فما من أمة فشا
في آحادها الكذب والخيانة والنفاق، وفسدت من آحادها الآداب والأخلاق. فانحرفت
عن الشريعة الإلهية، ولم تسترشد بالسنن الكونية - إلا وصب عليها مدبر الكون
سوط عذاب {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد
العقاب} (الأنفال: 25) ، ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ (الأنفال: 21) .
إن شر الدواب عند الله الصم الذين لا يسمعون سماع تعقل وتدبر، البكم الذين
لا ينطقون بالحق فلا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر. فاسمعوا وأطيعوا
واعلموا واعملوا. وألفوا الشركات المالية، واعقدوا الجمعيات العلمية والأدبية
﴿ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ (التوبة: 41) .
وهاكم هذه المجلة التهذيبية. الخادمة لجامعتكم الملية والوطنية. تنتقي لكم ما
هو أمس بمصلحتكم، وأقرب - إن شاء الله تعالى - لمنفعتكم، وأدعى - بفضل الله
تعالى - إلى نهضتكم. وأرجى - بتوفيق الله عز وجل - لجمع كلمتكم. فتبين البدع
التي مازجت العقائد، والمفاسد التي عرضت للسجايا والعوائد؛ فأمرضت العقول
وانحرفت بالنفوس عن سواء السبيل، وتهدي لعلاج هذه الأمراض الروحية
والأدواء الاجتماعية. بكشف الحجاب عن وجوه التربية النافعة، وتسهيل سبل
التعاليم الناجعة. وتختار من الآثار العلمية والأدبية، والملح والنوادر الفكاهية، ما
ترتاح له مع الفائدة النفوس، وتنجلي به على نزاهته الهموم والبؤوس.
أما جوائب الأخبار، وحوادث الأقطار والأمصار فنذكر منها أهم ما يفيد
القارئين - لا سيما المصريين والعثمانيين - وسالكين فيه منهج المؤرخ العادل، من
غير طعن ولا تحامل. فالخدمة الصحيحة للدولة والأمة إنما تكون بتبيين الرشد من
الغي، وتمييز الخطأ من الصواب، والتزييل بين النافع والضار؛ إذ التجريح
والترجيح، والذم والمديح - لا يخفض شيء منها قدرا، ولا يرفع ذكرا، ولا يكون
مناطا لعزة ورقي، ولا لذلة وهوي، وسواء كان ذلك في الأمم والدول، أم في الآحاد
والأشخاص. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا في سنتنا هذه لأحسن ما وفقنا له في سنتنا
الخالية. ونرجو من فضلاء الأمة الذين استعذبوا مشرب الجريدة. واعتقدوا أن
مباحثها نافعة مفيدة أن يشدوا أزرنا، ويساعدونا على تعميم نشرها {وتعاونوا على
البر والتقوى} (المائدة: 2) وتمسكوا من الإصلاح بالسبب الأقوى {واتقوا الله
لعلكم تفلحون} (البقرة: 189) ، {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى
السمع وهو شهيد} (ق: 37) .
خلق الله الإنسان عالما صناعيا، ويسر له سبيل العمل لنفسه، وهداه للإبداع
والاختراع، وقدر له من الرزق من صنع يده بل جعله ركن وجوده، ودعامة بقائه،
فهو على جميع أحواله من ضيق وسعة، وخشونة ورفاهة، وتبد وحضارة صنيعة
أعماله: أقواته من معالجة الأرض بالزراعة أو قيامه على الماشية، وسرابيله وما
يقيه من الحر أو البرد والوجى من عمل يديه نسجا أو خصفا. وأكنانه ومساكنه
ليست إلا من مظاهر تقديره وتفكيره، وجميع ما يتفنن فيه من دواعي ترفه ونعيمه
إنما هي صور أعماله ومجالي أفكاره، ولو نفض من يديه من العمل لنفسه ساعة من
الزمان، وبسط أكفه للطبيعة يستجديها نفسا من حياة - لشحت به عليه بل دفعته إلى
هاوية العدم. وهو في صنعه وإبداعه محتاج إلى أستاذ يثقفه، وهاد يرشده، فكما
يعمل لتوفير لوازم معيشته وحاجات حياته - يعمل ليعلم كيف يعمل، وليقتدر على أن
يعمل؛ فصنعته أيضا من صنعه، فهو في جميع شؤونه الحيوية عالم صناعي كأنه
منفصل عن الطبيعة بعيد من آثارها، حاجته إليها كحاجة العامل لآلة العمل.
هذا هو الإنسان في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه.
دعه في هذه الحالة وخذ طريقا من النظر إلى أحواله النفسية من الإدراك
والتعقل والأخلاق والملكات والانفعالات الروحية - تجده فيها أيضا عالما صناعيا:
شجاعته وجبنه، وجزعه وصبره، كرمه وبخله، شهامته ونذالته، قسوته ولينه
عفته وشرهه وما يشابهها من الكمالات والنقائص. جميعها تابع لما يصادفه في
تربيته الأولى، وما يودع في نفسه من أحوال الذين نشأ فيهم وتربى بينهم، مرامي
أفكاره، ومناهج تعقله ومذاهب ميله ومطامح رغباته ونزوعه إلى الأسرار الإلهية،
أو ركونه إلى البحث في الخواص الطبيعية، وعنايته باكتشاف الحقيقة في كل شيء،
أو وقوفه عند بادئ الرأي فيه وكل ما يرتبط بالحركات الفكرية، إنما هي ودائع
اختزنها لديه الآباء والأمهات والأقوام والعشائر والمخالطون. أما هواء المولد
والمربي ونوع المزاج وشكل الدماغ وتركيب البدن وسائر الغواشي الطبيعية فلا أثر
له في الأعراض النفسية والصفات الروحانية، إلا ما يكون في الاستعداد والقابلية،
على ضعف في ذلك الأثر؛ فإن التربية وما ينطبع في النفس من أحوال المعاشرين
وأفكار المثقفين تذهب به كأن لم يكن أودع في الطبع. نعم، إن أفكارا تتجدد،
ومعقولات من أخرى تتولد وصفات تسمو، وهمما تعلو حتى يفوق اللاحقون فيها
السابقين، ويظن أن هذا من تصرف الطبيعة لا من آثار الاكتساب، ولكن الحق فيه
أنه ثمرة ما غرس، ونتيجة ما كسب؛ فهو مصنوع يتبع مصنوعا، فالإنسان في
عقله وفي صفات روحه عالم صناعي.
هذا مما لا يرتاب فيه العقلاء والسذج، ولكن هل تذكرت مع هذا أن الأعمال
البدنية، إنما تصدر عن المهلكات والعزائم الروحية، وأن الروح هي السلطان
القاهر على البدن؟ أظنك لا تحتاج فيه إلى تذكير؛ لأنه مما لا يعزب عن الأذهان،
إنما قبل الدخول في موضوعنا أقول كلمة حق في الدين ولا أظن منكرا يجحدها:
إن الدين وضع إلهي ومعلمه والداعي إليه البشر تلقاه العقول عن المبشرين
المنذرين فهو مكسوب لمن يختصهم الله بالوحي [1] ، ومنقول عنهم بالبلاغ والدراسة
والتلقين، وهو عند جميع الأمم أول ما يمتزج بالقلوب، ويرسخ في الأفئدة وتصبغ
النفوس بعقائده وما يتبعها من الملكات والعادات، وتتمرن الأبدان على ما ينشأ عنه من
الأعمال عظيمها وحقيرها، فله السلطة الأولى على الأفكار وما يطاوعها من العزائم
والإرادات، فهو سلطان الروح ومرشدها إلى ما تدبر به بدنها. وكأنما الإنسان في
نشأته لوح صقيل، وأول ما يخط فيه رسم الدين، ثم ينبعث إلى سائر الأعمال بدعوته
وإرشاده. وما يطرأ على النفوس من غيره فإنما هو نادر شاذ، حتى لو خرج مارق
عن دينه لم يستطع الخروج عما أحدثه فيه من الصفات بل تبقى طبيعته فيه كأثر
الجرح في البشرة بعد الاندمال.
وبعد هذا، فموضوع بحثنا الآن الملة المسيحية والملة الإسلامية، وهو بحث
طويل الذيل، وإنما نأتي فيه على إجمال ينبئك عن تفصيل: إن الديانة المسيحية
بنيت على المسالمة والمياسرة في كل شيء، وجاءت برفع القصاص واطراح الملك
والسلطة ونبذ الدنيا وبهرجها، ووعظت بوجوب الخضوع لكل سلطان يحكم
المتدينين بها وترك أموال السلاطين للسلاطين والابتعاد عن المنازعات الشخصية
والجنسية بل والدينية، ومن وصايا الإنجيل: (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له
خدك الأيسر) ومن أخباره أن الملوك إنما ولايتهم على الأجساد وهي فانية،
والولاية الحقيقية الباقية على الأرواح وهي لله وحده. فمن يقف على مباني هذه
الديانة ويلاحظ ما قلنا من أن الدين صاحب الشوكة العظمى على الأفكار مع
ملاحظة أن لكل خيال أثرا في الإرادة يتبعه حركة في البدن على حسبه - يعجب كل
العجب من أطوار الآخذين بهذا الدين السلمي المنتسبين في عقائدهم إليه؛ فهم
يتسابقون في المفاخرة والمباهاة بزينة هذه الحياة ورفه العيش فيها، ولا يقفون عند حد
في استيفاء لذاتها [2] ، ويسارعون إلى افتتاح الممالك والتغلب على الأقطار الشاسعة،
ويخترعون كل يوم فنا جديدا من فنون الحرب، ويبدعون في اختراع الآلات
الحربية القاتلة، ويستعملها بعضهم في بعض ويصولون بها على غيرهم،
ويبالغون في ترتيب الجيوش وتدبير سوقها في ميادين القتال، ويصرفون عقولهم في
إحكام نظامها حتى وصلوا إلى غاية صار بها الفن العسكري من أوسع الفنون
وأصعبها، وإن أصول دينهم صارفة لعقولهم عن العناية بحفظ أملاكهم فضلا عن
الالتفات إلى طلب غيرها.
الديانة الإسلامية وضع أساسها على طلب الغلب والشوكة، والافتتاح والعزة،
ورفض كل قانون يخالف شريعتها، ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها صاحب الولاية
على تنفيذ أحكامها؛ فالناظر في أصول هذه الديانة، ومن يقرأ سورة من كتابها المنزل
يحكم حكما لا ريب فيه بأن المعتقدين بها لا بد أن يكونوا أول ملة حربية في العالم
وأن يسبقوا جميع الملل إلى اختراع الآلات القاتلة، وإتقان العلوم العسكرية،
والتبحر فيما يلزمها من الفنون كالطبيعة والكيمياء وجر الأثقال والهندسة وغيرها.
ومن تأمل في آية ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (الأنفال: 60) -
أيقن أن من صبغ بهذا الدين فقد صبغ بحب الغلبة وطلب كل وسيلة إلى ما يسهل له
سبيلها والسعي إليها بقدر الطاقة البشرية فضلا عن الاعتصام بالمنعة والامتناع من
تغلب غيره عليه. ومن لاحظ أن الشرع الإسلامي حرم المراهنة إلا في السباق
والرماية - انكشف له مقدار رغبة الشارع في معرفة الفنون العسكرية والتمرن عليها.
ولكن مع كل ذلك تأخذه الدهشة من أحوال المتمسكين بهذا الدين لهذه الأوقات؛
إذ يراهم يتهاونوا بالقوة، ويتساهلون في طلب لوازمها، وليست لهم عناية في فنون
القتال ولا في اختراع الآلات، حتى فاقتهم الأمم سواهم فيما كان أول واجب عليهم،
واضطروا لتقليدها فيما يحتاجون إليه من تلك الفنون والآلات، وسقط كثير منهم
تحت سلطة مخالفيهم واستكانوا ورضخوا لأحكامها. ومن وازن بين الديانتين حار
فكره كيف اخترع مدفع الكروب والمتراليوز وغيرهما بأيدي الديانة الأولى قبل
الثانية؟ وكيف وجدت بندقية مرتين في ديار الأولين قبل وجودها عند الآخرين؟
وكيف أحكمت الحصون ودرعت البواخر وأخذت مغالق البحار بسواعد أهل السلامة
والسلم دون أهل الغلة والحرب؟ !
لم لا يحار الحكيم وإن كان نطاسيا؟ لم لا يقف الخبير البصير دون استكناه
الحقيقة؟ ألم تكن القرون الخالية والأحقاب الماضية كافية لرسوخ الديانتين في نفوس
المستمسكين بعراهما، هل نبذت كل ملة من الملتين عقائد دينها ظهريا من أجيال
بعيدة؟ هل اقتصر النصارى في دينهم على الأخذ بشريعة موسى واقتفاء سيرة
يوشع بن نون؟ هل تخللت بعض (آيات) الإنجيل من حيث يدري ولا يدري
بين الخطب والمواعظ التي تتلى على منابر المسلمين، أو ألقي شيء منها في أماني
معلميهم وناشري شريعتهم عند ما يتربعون في محافل دروسهم؟ هل تبدلت سنة الله
في الملتين؟ هل تحول مجرى الطبيعة فيهما؟ هل استبدت الأبدان فيهما على
الأرواح؟ أو وجد للأرواح مدبر سوى الفكر والخيال؟ أو انفلتت الأفكار من سلطة
الدين، أو تعاصت النفوس عن الانتقاش بنقشته وهو أول حاكم عليها وأقوى مؤثر
فيها؟ هل تتخلف العلل عن معلولاتها؟ هل تنقطع النسب بين الأسباب ومسبباتها؟
ماذا عساه يرشد العقول إلى كشف المساتير وحل المعميات؟ أينسب هذا إلى اختلاف
الأجناس، وكثير من أبناء الملتين يرجعون إلى أصول واحدة ويتقاربون في الأنساب
الدانية؟ أينسب هذا إلى اختلاف الأقطار، وكثير من القبيلين يتشابهون في طبائع
البلدان، ويتجاورون في مواقع الأمكنة؟ ألم يصدر من المسلمين - وهم في شبيبة
دينهم - أعمال بهرت الأبصار وأدهشت الألباب؟ ألم يكن منهم مثل فارس والعرب
والترك الذين دوخوا الممالك واستووا على كرسي السيادة فيها؟
كان للمسلمين في الحروب الصليبية آلات نارية أشباه المدافع فزع لها
المسيحيون، وغابوا عن معرفة أسبابها. ذكر ملكام سرجم (إنكليزي) في تاريخ
فارس أن محمودا الغزنوي كان يحارب وثنيي الهند بالمدافع، وكانت هي الأسباب في
انهزامهم بين يديه سنة 400 للهجرة! وما كان المسيحيون لذلك العهد يعرفون شيئا
منها. فأي عون من الدهر أخذ بأيدي الملة المسيحية فقدمها إلى ما لم يكن في قواعد
دينها، وأي صدمة من صدماته دفعت في صدور المسلمين فأخرتهم عن تعاطي
الوسائل ما هو أول مفروض في دينهم؟
مقام للحيرة وموضع للعجب، ويظن أنه لا بد لهذا التخالف من سبب، نعم،
وتفصيله يطول، ولكن نجمل على ما شرطنا:
إن الدين المسيحي إنما امتد ظله، وعمت دعوته في الممالك الأوروبية من أبناء
الرومانيين وهم على عقائد وآداب وملكات وعادات ورثوها عن أديانهم السابقة
وعلومهم وشرائعهم الأولى، وجاء الدين المسيحي إليهم مسالما لعوائدهم ومذاهب
عقولهم، وداخلهم من طرق الإقناع ومسارقة الخواطر لا من مطارق البأس والقوة،
فكان كالطراز على مطارفهم، ولم يسلبهم ما ورثوه عن أسلافهم. ومع هذا فإن
صحف الإنجيل الداعية للسلامة والسلم لم تكن لسابق العهد مما يتناوله الكافة من
الناس بل كانت مذخورة عند الرؤساء الروحانيين. ثم إن الأحبار الرومانيين لما
أقاموا أنفسهم في منصب التشريع وسنوا محاربة الصليب ودعوا إليها دعوة الدين
التحمت آثارها في النفوس بالعقائد الدينية، وجرت فيها مجرى الأصول ولحقها على
الأثر تزعزع عقائد المسيحيين في أوروبا وافترقوا شيعا وذهبوا مذاهب تنازع الدين
في سلطته، وعاد وميض ما أودعه أجدادهم في جراثيم وجودهم ضراما، وتوسعوا
في فنون كثيرة وانفسح لهم مجال الفكر فيها. وكانت براعتهم في الفن العسكري
واختراع آلات الحرب والدفاع مساوقة لبراعتهم في سائر الفنون.
وأما المسلمون فبعد أن نالوا في نشأة دينهم ما نالوا، وأخذوا من كل كمال
حربي حظا، وضربوا في كل فخار عسكري بسهم، بل تقدموا سائر الملل في فنون
المقارعة، وعلوم النزال والمكافحة، ظهر فيهم أقوام بلباس الدين وأبدعوا فيه
وخلطوا بأصوله ما ليس منها، فانتشرت بينهم قواعد الجبر وضربت في الأذهان حتى
اخترقتها، وامتزجت بالنفوس حتى أمسكت بعنانها عن الأعمال، هذا إلى ما أدخله
الزنادقة فيما بين القرن الثالث والرابع، وما أحدثه السوفسطائية الذين أنكروا مظاهر
الوجود وعدوها خيالات تبدو للنظر ولا تثبتها الحقائق، وما وضعه كذبة النقل من
الأحاديث ينسبونها إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ويثبتونها بالكتب، وفيها
السم القاتل لروح الغيرة، وإن ما يلصق منها بالعقول يوجب ضعفا في الهمم وفتورا
في العزائم، وتحقيق أهل الحق وقيامهم ببيان الصحيح والباطل من كل ذلك - لم
يرفع تأثيره عن العامة؛ خصوصا بعد حصول النقص في التعليم، والتقصير في
إرشاد العامة إلى أصول دينهم الحقة ومبانيه الثابتة التي دعا إليها النبي وأصحابه،
فلم تكن دراسة الدين على طريقها القويم إلا منحصرة في دوائر مخصوصة بين فئة
معينة، لعل هذا هو العلة في وقوفهم، بل الموجب لتقهقرهم وهو الذي نعاني من
عنائه اليوم ما نسأل الله السلامة منه.
إلا أن هذا العوارض التي غشيت الدين وصرفت قلوب المسلمين عن رعايته
وإن كان حجابها كثيفا - لكن بينها وبين الاعتقادات الصحيحة التي لم يحرموها
بالمرة تدافع دائم وتغالب لا ينقطع، والمنازعة بين الحق والباطل كالمدافعة بين
المرض وقوة المزاج، حيث إن الدين الحق هو أول صبغة صبغ الله بها نفوسهم، ولا
يزال وميض برقه يلوح في أفئدتهم بين تلك الغيوم العارضة فلا بد يوما أن يسطع
ضياؤها ويقشع سحاب الأغيان، وما دام القرآن يتلى بين المسلمين وهو كتابهم
المنزل وإمامهم الحق، وهو القائم عليهم، يأمرهم بحماية حوزتهم والدفاع عن ولايتهم
ومغالبة المعتدين وطلب المنعة من كل سبيل، لا يعين لها وجها، ولا يخصص لها
طريقا - فإننا لا نرتاب في عودتهم إلى مثل نشأتهم، ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما
سلب منهم، فيتقدمون على من سواهم في فنون الملاحمة والمنازلة والمصاولة حفظا
لحقوقهم وضنا بأنفسهم على الذل، وصونا لملتهم من الضياع، وإلى الله تصير
الأمور.
... ... ... ... ... ... ... ... ... (العروة الوثقى)
-----------------
<span class="footnote">
(1) هذا ما كتب بقلم الأستاذ الشيخ محمد عبده عن لسان الحكيم الإسلامي السيد جمال الدين الشهير وبالاتفاق معه؛ فليخش الله من كان يتهم هذين الحكيمين أو أحدهما بالقول بأن النبوة مكتسبة، وما أعظم بهتان من يقول: إن المرحوم السيد جمال الدين صرح بهذا الاعتقاد في الخطاب العام الذي ألقاه في الآستانة في الحث على الصنائع، أما وسر الحق لو صرح به في الآستانة لما صرح بخلافه في باريس حيث كان يصدر العروة الوثقى.
(2) ذكرنا هذا ما جاء في (المقتطف) الأغر (جزء 20، صفحة 860) في تقريظ منشور المجمع القسطنطيني الأرثوذكسي ردا على منشور البابا لاون الثالث عشر وهو بنصه:
ومن العجب أن رؤساء الطوائف المسيحية يتنازعون على العقائد المذكورة آنفا (أي: ككون
العماد لا يصح بالتغطيس، وسر الشكر يجب أن يكون بالخبز المخمر) ولا يتحرك لهم قلم، ولا ينطق لهم لسان في طلب إنصاف المظلوم والقضاء لليتيم والمحاماة عن الأرملة، وقد نخر سوس الفساد عظام التمدن الأوربي، وصار المال معبود المسيحيين ولا هم لرؤسائهم إلا لبس الوسامات واتساع السلطة، ونخشى أنه إذا جاء ابن الإنسان لم يجد إيمانا على الأرض؛ لأن الاهتمام بالعرض شغل الناس عن الاهتمام بالجوهر، ولأن حب الدنيا سدل حجابا على العيون.</span></span>