تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

التقريظ

(كتاب دلائل التوحيد)

لقد من الله تعالى على دمشق الشام بالشيخ محمد جمال الدين القاسمي؛ ليكون

فيها واسطة من وسائط الانتقال، وحلقة من حلقات الاتصال، بين الماضي الذي قد

تدهور فيه المسلمون من عدة قرون، وبين المستقبل الذي ينشده المتبصرون،

ويسعى إليه المصلحون، فهو بصير في العلوم الإسلامية المتداولة في العصر،

متطلع إلى ما يتجدد من المطبوعات العربية في كل مصر، مجيد في الانتقاء من

رديئها والانتقاء من جيدها حريص على الاستفادة منها والإفادة بها، وهو يدرس

ويطالع وينسخ ويصحح ويصنف وينشر.

وآخر ما وصل إلينا من مؤلفاته المطبوعة كتاب (دلائل التوحيد) في الكلام،

ألفه في سنة 1325 وطبع في سنة 1326، وهو في أسلوبه ومباحثه مصدق

لما قلناه آنفا في وصف مؤلفه، لم يقلد فيه المتكلمين كالسنوسي، وواضعي

الشروح والحواشي لعقائده، ومن حاكاهم من المتأخرين الذين صارت كتبهم

كالمتعبد بتلاوتها على علاتها وعدم كفايتها، ولم يستقل بجميع مسائله بنفسه،

ويجعله خلوا من كلام غيره، بل أورد فيه زبدة مما طالعه في كتب أساطين

المتقدمين من الفلاسفة والمتكلمين: كابن مسكويه والنصير الطوسي والفارابي وابن

رشد والراغب والغزالي والعز بن عبد السلام وابن حزم وابن تيمية وابن

القيم والقاضي عياض والماوردي وجمال الدين الخوارزمي والمرتضى

اليماني صاحب إيثار الحق، والمتأخرين كالأستاذ الإمام، ولكنه لا يذكره

باسمه ولا بهذا اللقب الذي اشتهر به، وإنما يشير إليه بكلمة (حكيم) أو حكيم من

المتأخرين، وقد نقل أيضا عن المنار ولم يسمه ولا ذكر اسم صاحبه، بل يشير إليه

ببعض الألقاب كما فعل في هذا الهامش بعد سوق الدليل العشرين. وما ذلك

إلا لأن اسم الشيخ محمد عبده أو محمد رضا أو المنار، كانت في زمن السلطان

عبد الحميد تخرب الديار، وتسوق إلى البوار، أما مقاصد الكتاب بالإجمال فهي

كما كتب المؤلف في طرته:

(الخطبة في فضل إقامة البراهين؛ لتأييد أصول الدين، ثم تمهيدات في سر

معرفة التوحيد، وما يتقاضاه الإيمان من الإيقان، وفي تمثيل انمحاء الباطل لظهور

آية الحق، وفي أن النظر قانون الاستدلال وفي غير ذلك، ثم مطالب الكتاب وهي

أربعة: المطلب الأول في الأدلة الواضحة على (وجود الله تعالى) وهي خمسة

وعشرون دليلا وفي طيها فوائد جمة، المطلب الثاني في تحقيق مسائل من العلم

الإلهى: كاستحالة اكتناه ذات الخالق تعالى وبطلان الحلول والاتحاد وغيرهما،

المطلب الثالث في المادة، وشبه الماديين وإبطالها جميعها بالحجج القاطعة، وفيه

مقالات من الطبيعيين تقرب من الثلاثين، المطلب الرابع في مسائل من علم

النبوات: كآيات النبوة وإثبات الخوارق علما، وبيان المنة على العالمين ببعثة خاتم

النبيين، وكون القرآن أعظم الخوارق، وبيان خصائصه عليه السلام وفضائله

وشرف أخلاقه وشمائله المؤيدة لنبوته والمبرهنة على عموم رسالته، ثم الخاتمة في

فائدتين) اه.

وصفحات الكتاب مائتان بل تزيد، ولم يتيسر لنا إلا مطالعة القليل منه؛

فعسى أن يكون مزلزلا لتقليد المقلدين، ومرقاة لاستقلال المستعدين، وثمن النسخة

منه ثمانية قروش.

***

(العقائد الدينية للناشئة الإسلامية)

كتيب وجيز للشيخ محمد عبد اللطيف خضير من علماء دمياط طبعه في هذا

العام، وأهدانا نسخة منه، ورغب إلينا فيه شيئا من المعنى الذي أشرنا إليه في

تقريظ الكتاب الذي قبله؛ من حيث عدم التزام أسلوب وترتيب العقائد المتداولة:

كسرد الصفات العشرين (التي جعل السنوسي مدار عقيدته عليها) ونحو ذلك، ولكنه

على عدم التزام ذلك لم يخرج عنه بالمرة، راعى السهولة فيما استقل فيه، فسدد

وقارب، وجاء ببعض مسائل ودلائل نظرية تعلو على أفهام الناشئين الذين وضعه

لهم، ولولا رجوعه في ذلك إلى بعض الكتب المتداولة لكان يسهل عليه أن يأتي بما

هو أسهل منها وأنفع، أو ليت اقتباسه من كتب المتقدمين كان كله: كاقتباسه من

رسالة التوحيد، وجملة القول: إنه من أحسن ما كتب لتعليم المبتدئين، وثمن النسخة

منه قرش واحد، وهو يطلب من المكتبة العمومية بدمياط؛ فعسى أن ينال ما

يستحقه من الرواج والانتشار.

***

(تحفة الأنام في مختصر تاريخ الإسلام)

ألف هذا التاريخ في أواخر حياته الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت

رحمه الله، تعالى. وهو يشتمل على مقدمة وجيزة في أصل العرب وجزيرتها

وظهور النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أربعة أبواب في الخلفاء الراشدين، وفي

الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وفي الكلام على سلطنة محمود الثاني يذكر حادثة

إبراهيم باشا المصري وغيرها من الحوادث الكبيرة ومسألة الوهابية، كما يذكر في

أخبار سلطنة عبد المجيد حرب القرم، وحادثة جدة، وحادثة لبنان، وهو مختصر

ليس في الأيدي مثله ولا ما يغني عنه، فعسى أن يعم نشره، ويباع في مصر

بمكتبة المنار مجلدا تجليدا بيروتيا بثمانية قروش مصرية، ومن أراد عددا كثيرا

منه فليطلبه من المكتبة الأهلية ببيروت.

وإننا ننقل ههنا كلامه في الوهابية، قال رحمه الله تعالى ما نصه:

(ثم في غضون ذلك ظهرت الطائفة الوهابية في بلاد نجد، واستولوا على

مكة المكرمة والمدينة المنورة وباقي بلاد الحجاز، حتى قاربوا بلاد الشام من جهة

دمشق.

وهم قوم كثيرون من عرب نجد؛ اتبعوا طريقة الشيخ عبد الوهاب (؟) وهو

رجل ولد في الدرعية بأرض العرب من بلاد الحجاز، طلب أولا العلم على مذهب

أبى حنيفة في بلاده، ثم سافر إلى أصفهان وأخذ من علمائها، حتى اتسعت

معلوماته في فروع الشريعة وتفسير القرآن الكريم، ثم عاد إلى بلاده سنة

(1170) ، ثم أدته ألمعيته إلى الاجتهاد، فأنشأ مذهبا مستقلا وقرره لتلامذته،

وشاع أمره في (نجد) و (الإحساء) و (القطيف) و (عمان) و (بني عتبة)

من أرض (اليمن) ، ولم يزل أمرهم شائعا، ومذهبهم متزايدا، وجماعتهم تكثر،

إلى أن صدرت الإرادة السنية إلى محمد علي باشا عزيز مصر بقتال وردع هذه

الطائفة؛ خوفا من انتشار شرهم في البلاد الإسلامية، فأطفأ سراجهم، وبدد شملهم،

وأخفى ذكرهم، وقد توفي زعيمهم سعود سنة (1229) فساد الأمن في طريق

الحج، وبهذه السنة حج محمد علي باشا بعد أن لم يكن أحد يتمكن من أداء هذه

الفريضة.

وهاك رسالة من كلامهم تدل على مذهبهم واعتقادهم:

اعلموا - رحمكم الله - أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله مخلصا له الدين،

وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم له، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن

والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 56) فإذا عرفت أن الله - تعالى - خلق العباد

للعبادة، فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد؛ كما أن الصلاة لا تسمى

صلاة إلا مع الطهارة، كما قال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله

شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} (التوبة:

17) . فمن دعا غير الله؛ طالبا منه ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب خير أو دفع

ضر، فقد أشرك في العبادة، كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله

من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا

لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} (الأحقاف: 5-6) وقال تعالى: {والذين

تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا

ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} (فاطر: 13-

14) فأخبر تبارك وتعالى: أن دعاء غير الله شرك، فمن قال يا رسول الله، أو يا

ابن عباس، أو يا عبد القادر؛ زاعما أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده،

ووسيلته إليه - فهو المشرك الذي يهدر دمه وماله إلى أن يتوب من ذلك، وكذلك

الذين يحلفون بغير الله أو الذي يتوكل على غير الله، أو يستعين بغير الله فيما لا

يقدر عليه إلا الله، فهو أيضا مشرك، وما ذكرنا من أنواع الشرك؛ هو الذي

قاتل رسول الله المشركين عليه، وأمرهم بإخلاص العبادة كلها لله تعالى، ويصح ذلك

أي: التشنيع عليهم بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله في كتابه.

(أولها) أن يعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله يقرون أن الله هو:

الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لجميع الأمور؛ والدليل على ذلك قوله

تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن

يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل

أفلا تتقون} (يونس: 31) ، وقوله تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم

تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السموات السبع ورب العرش

العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا

يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون} (المؤمنون: 84-

89) إذا عرفت هذه القاعدة وأشكل عليك الأمر، فاعلم أنهم بهذا أقروا، ثم توجهوا

إلى غير الله يدعونه من دون الله فأشركوا.

(القاعدة الثانية) أنهم يقولون: ما نرجوهم إلا لطلب الشفاعة عند الله،

نريد من الله لا منهم، ولكن بشفاعتهم. وهو شرك، والدليل على ذلك قول الله

تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا

عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما

يشركون} (يونس: 18) وقال الله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما

نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله

لا يهدي من هو كاذب كفار} (الزمر: 3) وإذا عرفت هذه القاعدة فاعرف:

(القاعدة الثالثة) وهي أن منهم من طلب الشفاعة من الأصنام، ومنهم من

تبرأ من الأصنام وتعلق بالصالحين مثل: عيسى وأمه والملائكة والدليل على ذلك

قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون

رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} (الإسراء: 57) ورسول

الله لم يفرق بين من عبد الأصنام ومن عبد الصالحين في كفر الكل، وقاتلهم حتى

يكون الدين كله لله، وإذا عرفت هذه القاعدة فاعرف.

(القاعدة الرابعة) وهي أنهم يخلصون لله في الشدائد وينسون ما يشركون،

والدليل عليه قوله تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما

نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} (العنكبوت: 65) ، وأهل زماننا يخلصون

الدعاء في الشدائد لغير الله، فإذا عرفت هذا فاعرف أن المشركين في زمان النبي

أخف شركا من عقلاء مشركي زماننا؛ لأن أولئك يخلصون لله في الشدائد، وهؤلاء

يدعون مشايخهم في الشدائد والرخاء، والله أعلم بالصواب اه.

وهذه الرسالة والقواعد التي أسسها ذلك الشيخ لا شبهة فيها؛ لأن هذا هو

الدين الذي جاء به النبي والأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين

لكن هذا الشيخ لم يتحقق ولم يحقق هذه المسألة، واتبعه قومه من بعده؛ فأفرطوا

وفرطوا وقصروا، حتى تولد منهم بسبب هذه القواعد تنقيص وتحقير ما عظمه الله

وأمرنا بتعظيمه ومحبته وتوقيره، وقاسوا المسلمين المخلصين في التوحيد

بالمشركين، حتى قاتلوا المسلمين في أفضل البقاع، واستحلوا دماءهم وأموالهم،

كما وأن أكثر العوام من جهلة المسلمين قد تغالوا وأفرطوا وابتدعوا بدعا تخالف

المشروع في الدين القويم، فصاروا يعتمدون على الأولياء الأحياء منهم والأموات،

معتقدين أن لهم التصرف، وبأيديهم النفع والضر، ويخاطبونهم بخطاب الربوبية،

وهذا غلو في الدين القويم وخروج عن الصراط المستقيم، وقد ورد في الحديث

المرفوع: (دين الله تعالى بين المغالي والمقصر) .

وهنا شيء لا بد لك من معرفته؛ وهو أن الحب لله وفي الله، والحب مع الله

بينهما فرق من أهم الفروق، وعنه تعلم جهل وخطأ الوهابية وشيخهم، فإن الحب

لله وفي الله هو من كمال الإيمان في الله، والحب مع الله هو الشرك المنهي عنه،

وقاتلهم عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه، والفرق بينهما أن الحب في الله ولله

تابع لما يحبه الله: كحب الرسل والملائكة والأولياء والعلماء والكعبة والمدينة وبيت

المقدس؛ لأن الله يحبهم ويحب من يحبهم ويعظمهم، والحب مع الله على نوعين:

نوع يقدح في أصل التوحيد وهو شرك: كعبادة الأوثان والأصنام والأنداد من

المشركين؛ لأنهم عظموا وأحبوا مع الله ما يبغضه الله، والنوع الثاني يقدح في

كمال الإخلاص والتوحيد ومحبة الله، ولا يخرجه عن الإسلام: كمحبة ما زينه الله

للنفوس في النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث؛ فإن

محبتها طبيعية ومحبة شهوة: كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، فإن أحبها لله

ليتوصل بها إليه، واستعانته على مرضاته وطاعته كانت من قسم الحب لله، وفي

الحديث: (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب) ، وإن أحبهما لموافقة طبعه

وشهوته وهواه كانت من المباحات. لكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه.

وإن كان حبه لها مراده ومقصوده، وقدمها على ما يحبه الله ورضاه منه كان ظالما

لنفسه متبعا لهواه، فالأول محبة السابقين، والثانية محبة المقتصدين والثالثة محبة

الظالمين، فتأمل ذلك وما فيه، فإنه معترك النفس الأمارة والمطمئنة والله تعالى

يوفقنا وإياك والسلام اه، ولم يذكر مثالا للحب مع الله، وكأنه اكتفى بما عزاه

منه إلى أكثر عوام المسلمين من الغلو في الصالحين وحبهم لهم: كحب الله، وهو

عين ما ينكره الوهابية، وما أظن أنهم كانوا يتهمون بذلك جميع أفراد المسلمين وإلا

كانوا مجانين.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٢ · الصفحة ٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٢ · ص ٣٨٧