4.5 الباب الرابع في كشف أسرارهم
[4.6]
ومن ذلك رأيت بالديار المصرية قريب من المحلة دير يعرف بالأبشيط وله راهب
~~شيخ ملعون داهية من الدواهي وقد صنع عنده في الدير بئرا محكم فإذا كان قبل
~~العيد بثلاثة أيام اجتمع إليه أهل البلد وذلك الإقليم وخرجت إليه الباعة
~~والسوقة وضربوا الخيام وهرعت إليه الناس من كل جانب والراهب يطلع إليهم
~~ويحادثهم بما قد زخرف لهم فإذا كان يوم العيد نزل وفتح باب الدير والرهبان
~~حوله ثم يأذن لهم بالدخول
[4.7]
فإذا اجتمعوا عند ذلك البئر تقدم الراهب والمبخرة معه بيده على رأس البئر
~~ثم نزل بدرج إلى البئر وهو ناشف وأرضه مفروشة بالحصى قد نقلها من كل موضع
~~فإذا حصل في الدرجة السفلى منه بخر ثم تكلم بما شاء من الهذيان فإذا فعل
~~ذلك صعد الماء إلى تلك الدرجة التي هو عليها واقف ثم يرتفع إلى الدرجة التي
~~تليها فيصعد الماء إلى الدرجة ولا يزال كذلك حتى تمتلئ البئر فيأخذون الناس
~~منه في القناني والكيزان فيغتسلون منه ويدخرونه عندهم لكل مرض وألم ويرفع
~~الراهب منه شيئا كثيرا وهو من جملة دهائه
[4.8]
فإذا كان آخر النهار نزل الراهب وأذن للناس بالدخول ثم يلبس ثيابا من
~~الصوف الرفيع ويأخذ المبخرة والعكاز ويقف على رأس البئر ثم يبخر ويتكلم بما
~~أراد ويدق العكاز على الدرجة فيهبط الماء عن تلك الدرجة فينزل الدرجة
~~الأخرى ويفعل كذلك والماء يهبط درجة بعد درجة حتى يهبط الجميع وينشف البئر
~~ثم يصعد ويقفل عليه ولا يرجع يفعل ذلك إلى مثل ذلك اليوم من السنة الثانية
~~فيحصل له كل يوم من أيام العيد شيئا كثيرا وتأتيه نذورا لا تحد وباقي أيام
~~السنة كل من مرض أو حم أو وجعه رأسه أو عيناه أو حدث عليه مرض يطلبوا له من
~~الماء الذي عند الراهب فما يطلب أحد منه وزن خمس الدراهم حتى يهدي إليه
~~شيئا يسوى درهمين ثلاثة وأصل ما ربط عليه الناس أن من التمس من هذا الماء
~~شيئا بلا قربان الدير ليس ينفعه ما أخذه من الماء فانظر إلى دهاء هذا الرجل
~~وكيف ربط العالم من سائر الملل والأجناس واعلم أن هذا البئر هو ثلاث آبار
~~كل واحد ينفذ إلى الآخر فافهم ذلك