23.42-61
﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ﴾ في النشأة الثانية ﴿ وجعلنا ابن مريم ﴾ القلب ﴿ وأمه ﴾ النفس المطمئنة ﴿ آية ﴾ واحدة باتحادهما في التوجه والسير إلى الله وحدوث القلب منها عند الترقي ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ مكان مرتفع بترقي القلب إلى مقام الروح وترقي النفس إلى مقام القلب ﴿ ذات ﴾ استقرار وثبات وتمكن يستقر فيها لخصبها ﴿ ومعين ﴾ وعلم يقين مكشوف ظاهر.
﴿ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ﴾ ﴿ نسارع لهم في الخيرات ﴾ أي: ليس التمتيع باللذات الدنيوية والإمداد بالحظوظ الفانية هو مسارعتنا لهم في الخيرات كما حسبوا، إنما المسارعة فيها هو التوفيق لهذه الخيرات الباقية وهي الإشفاق بالانفعال والقبول من شدة الخشية عند تجلي العظمة والإيقان العيني بآيات تجلي الصفات الربانية والتوحيد الذاتي بالفناء في الحق، والقيام بهداية الخلق وإعطاء كمالاتهم في مقام البقاء مع الخشية من ظهور البقية في الرجوع إلى عالم الربوبية من الذات الأحدية وهو السبق في الخيرات وإليها ولها.
23.62-95
﴿ ولا نكلف نفسا إلا وسعها ﴾ أي: لا نكلف كل أحد بمقامات السابقين فإنها مقامات لا يبلغها إلا الأفراد كما قيل: جل جناب الحق أن يكون شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد، بل كل مكلف بما يقتضيه استعداده بهويته من كماله اللائق به. وهو غاية وسعه. ﴿ ولدينا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ أو أم الكتاب { ينطق بمراتب استعداد كل نفس وحدود كمالاتها وغاياتها، وما هو حق كل منها ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ بمنعهم عنه وحرمانهم إذا جاهدوا فيه وسعوا في طلبه بالرياضة، بل يعطى كل ما أمكنه الوصول إليه وما يشتاقه في السلوك إليه.
﴿ بل ﴾ قلوب المحجوبين ﴿ في غمرة ﴾ غشاوات الهيولى وغفلة غامرة ﴿ من هذا ﴾ السبق وطلب الحق ﴿ ولهم أعمال ﴾ على خلاف ذلك موجبة للبعد عن هذا الباب تكاثف الحجاب، أي: كما أن أعمال السابقين موجبة للترقي في التنور كشف الغطاء والوصول إلى الحق، فأعمالهم موجبة للتسفل والتكدر وغلظ الحجاب والطرد عن باب الحق لكونها في طلب الدنيا وشهواتها وهوى النفس ولذاتها. ﴿ هم لها عاملون ﴾ دائبون عليها مواظبون. وكلما سمعوا ذكر الآيات والكمالات ازدادوا عتوا وانهماكا في الغي، واستكبارا وتعمقا في الباطل، وهو النكوص على الأعقاب إلى مهاوي جحيم الطبيعة. ولما أبطلوا استعداداتهم وأطفؤوا أنوارها بالرين والطبع على مقتضى قوى النفس والطبع واشتد احتجابهم بالغواشي الهيولانية والهيئات الظلمانية عن نور الهدى والعقل، لم يمكنهم تدبر القول ولم يفهموا حقائق التوحيد والعدل، فنسبوه إلى الجنة ولم يعرفوه للتقابل بين النور والظلمة والتضاد بين الباطل والحق وأنكروه وكرهوا الحق الذي جاء به.
﴿ ولو اتبع الحق ﴾ الذي هو التوحيد والعدل، أي الدعوة إلى الذات والصفات ﴿ أهواءهم ﴾ المتفرقة في الباطل، الناشئة من النفوس الظالمة، المظلمة، المحتجبة بالكثرة عن الوحدة لصار باطلا لانعدام العدل الذي قامت به السموات والأرض والتوحيد الذي قامت به الذوات المجردة، إذ بالوحدة بقاء حقائق الأشياء، وبظلها الذي هو العدل ونظام الكثرات قوام الأرض والسماء فلزم فساد الكل.
الصراط المستقيم الذي يدعوهم إليه هو طريق التوحيد المستلزم لحصول العدالة في النفس ووجود المحبة في القلب وشهود الوحدة في الروح. والذين يحتجبون عن عالم النور بالظلمات وعن العقل بالحس وعن القدس بالرجس إنما هم منهمكون في الظلم والبغضاء والعداوة والركون إلى الكثرة، فلا جرم أنهم عن الصراط ناكبون منحرفون إلى ضده، فهو في واد وهم في واد.