وفي سلوكك منذ كنت ناعم الأظفار، غض الإهاب، صغير السن، من سمت طيب - وخلق قويم، وعقل بصير، وفكر ناضج، ورجولة مبكرة، وعظمة لا تصنع فيها ولا احتيال - ما يدل على أن مستقبلا باسماً كان ينتظرك، ومجدا تالدا كان يترقبك وجاها عظيماً كان على موعد معك، وأن الإرهاص الذي يسبق المعجزة يسارع إليك، ليؤذن بالنهاية الكريمة، والمصير العزيز، والختام الحميد، والتاريخ الذي يرويه الآباء للأبناء!
فلما بلغت مبلغ الرجال وكنت تقري الضيف وتحمل الكل، وتؤازر الحق، وتنطق بالصدق، وتعين على المعروف وتنصر المظلوم، وتخفف ويلات المكروبين، وتمتلئ نفسك الكبيرة بالمعاني النبيلة، والعواطف السامية، والأماني الطيبة، والنوايا الصادقة، والغرائز المهذبة، والخلال الكريمة، والسجايا المحببة، هالهم أمرك، وعناهم شأنك، وظنوا أن الأيام سوف تتمخض فيك - لا محالة - عن قيصر الروم، أو كسرى الفرس، أو فرعون مصر، أو حاكم مستبد قاهر ممن كانوا يسمعون عنهم من الأساطير والأخبار، إلا أنك حين جهرت بدينك الصحيح، ويقينك السليم، وإيمانك القوي، وكشفت بذلك كله - عن الحق الصراح - والسلوك السوي، والعدل المحض، والنهج القويم، تضاءل في أنظارهم كبرياء الظالمين، وغطرسة أولئك المتعالين المتكبرين، وتهاوت تيجان الملوك والسلاطين. وآمنوا أن هذه الدنيا التي كانت لهؤلاء لا تزيد إلى جانبا ما أعطاك الله إياه جناح بعوضة، ولا قلامة ظفر، ولكنها غبار يتطاير، أو سراب يخدع، أو وهم لا ينطلي إلا على الأغرار البله ...