تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعجيب الغريب أن تكون - يا رسول الله - مع هذه المكانة التي كنت عليها من العظمة والمجد والسؤدد والشرف، والجاه والرفعة، والسيادة والعزة، والسلطان والنفوذ، متواضعة غاية التواضع، حلية إلى أقصى نهايات الحلم، جامعاً للمكارم كلها، تبذل وتعطي، وتسخو وتجود، وتنقذ من يتورط في شدة، أو يشرف على هلكه، أو يعاني جرحا، وربما نسيت إساءة المسيء وآثرت غيرك على نفسك، وقابلت الشر بالخير، والأذى بالصفح والعفو، واللؤم بالكرم ... وكم أعلنت في كل مناسبة أنك بشر تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وناديت في القاصي والداني بهذا الأدب الرفيع: "إنكم لا تسعون الناس

بأرزاقكم، وأموالكم فسعوهم بأخلاقكم".

لتعطيهم الأمثال منك، والقدوة بك، والاتباع لك، وحاشا لخلقك ألا يكون كذلك، وما عاب أحد لك صنيعا، أو انتقد لك سلوكك، ولم تكن جباراً في الأرض، ولا قاسياً على الناس بل كانت دعايتك بالحسنة وهدايتك بالرفق، وإصلاحك بالحزم، وإرشادك بالحجة وتوجيهك بالمنطق، ونصحك باللين، وسياستك بالحلم، ومعاملتك بالأدب، وحكومتك بالقسطاس، وغضبك لله، وغيرتك للحق، وانحياز إلى جانب الفضيلة، وجهادك للإصلاح، وحياتك للخير، وهدفك أن تعلو كلمة السماء.

وهكذا تكون العظمة التي لم يفرضها أصحابها بالباطل، أو ينتهبها أهلوها بسلطان السيف، ورهبة الملك، وحكم القانون.

وصلى الله عليك - يا رسول الله - كلما جرى ذكرك على لساني، أو خطر طيفك ببال إنسان، أو ترسّم أحد خطاك، أو التمس مسلم هدايتك، وسار على نهجك، فإنك بحق سيد الناس وخير الخلق على الإطلاق، ولا ينكر عليك ذلك جاحد ولا يماري فيه مكابر (وإنك لعلى خلق عظيم) (سورة القلم الآية: 4)

من فيض الرسالة · الصفحة ٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٨