وكان رأي أبي جهل: أحزم هذه الآراء وأحكمها لأنه قضى أن يأخذوا من كل قبيلة فتى جلداً قويا ثم يجمعوا هؤلاء الفتيان ليضربوه ضربة رجل واحد، وبذلك يتفرق دمه في قبائل العرب جميعاً، فلا يستطيع قومه أن يثأروا له.
وبينما كانوا يعملون - جادين - لإنجاز ما وصلوا إليه من تفكير كان المسلمون في الحبشة، والمسلمون
في مكة قد أخذوا طريقهم إلى المدينة، وكان علي - كرم الله وجهه - في المكان الذي كان ينام فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائما على سريره وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع (أبي بكر) قد خرجا من مكة.
-[الهجرة]-
لم يكن من الحتم على محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يبقى بمكة وقد تبين له أنها لم تعد صالحة للدعوة ولا مرجواً
من أهلها الخير، وبخاصة بعد أن أوصى الله - سبحانه وتعالى - إليه هذا الشر الذي يبيتونه له، والغدر الذي تنطوي نفوسهم عليه، بل إن بقاءه مع هذه الاعتبارات كلها عبث لا يليق به وخطأ ليس له أن يفعله ولا يصح أن تؤول هذه الهجرة بأنها فرار من الميدان أو هرب من المسئولية، لأن الفرار إنما يكون فراراً إذا تأكد صاحبه أن الصمود نبل والبقاء شجاعة والمنازلة بطولة والحرب مصلحة والاستماتة فناء في الحق، وكذلك المسئولية أنها تكون مسئولية إذا كانت جديرة بالتحمل.
لكن المسألة لا تعدوا أن يكون الجو غير ملائم، والظروف ليست مناسبة، والشأن في ذلك شأن طلب الثمرة من الأرض السبخة أو الباحث عنها في غير أوانها، فإن المنطق يحكم عليه بالطيش ويصفه بالعته، وهكذا كان كفار مكة كالأرض السبخة التي تلفظ الحب وتنكر البذور ولا يجدي معهم محاولة ولا جهد.
على أن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مرسلاً إليهم وحدهم مرتبطا بعجلتهم أو يتقرر مصيره بهم أو يعيش تحت رحمتهم - كما يقولون - وإنما هو مرسل للأحمر والأسود والعرب والعجم، يسافر