تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن لا نشك في أن أصحاب الدعاوى، وأرباب المبادئ، وحملة المشاعل، وقادة الأمم، وزعماء الإصلاح - في كل زمان ومكان - لا يصلون إلى غاياتهم، أو يبلغون أهدافهم، بنصاعة بيانهم، وقوة حجتهم، وسداد رأيهم، واستقامة نهجهم، وخلابة منطقهم، وروعة بلاغتهم، بمقدار ما يساعدهم على ذلك سلطانهم المرهوب، وقوتهم المخيفة، وبأسهم المسلَّط، أو نصرة تقف إلى جانبهم، من قرابة قريبة، أو ولاء مسعف، أو عصبية تدافع، أو مال يغري بالإقبال والرغبة، ويعمل على تمكين النفوذ والجاه، وإشاعة الإرهاب والخوف، وأنت لم تنصرك عصبية، ولم يساعدك مال كان في يدك، ولا نفوذ أتيح لك، غير أن سيرتك كانت قرآناً، وحياتك كانت برهانا، وقد استقبلت الإنسانية حديثك الطيب استقبالها للأحداث الهامة، والأمور الغريبة، والمعجزات الكبرى، وآمنت بسبب ما عرفت منك - أن لله سرا يخفى على الفطنة، ويدق على الفهم، ويتسامى على المنطق، ويتجاوز حدود العادات، ويأبى

أن يخضع للمألوف، ولا يسع الناس أمامه إلا أن يردوه إلى خالق السماوات والأرض، ومدبر الكون الواسع، والملك الفسيح العريض!!

وفيك - يا رسول الله - تحكم الفقر، وتمكن اليتم، واستبد الجوع والحرمان، الذي جرت به العادة مع الأطفال الذين تحيط بهم تلك الحياة، وتلعب بهم الأحداث، وتهز كيانهم هذه الأعاصير، أن يموت

فيهم النزوع إلى المجد، والرغبة في الكمال والتطلع إلى الأهداف البعيدة، والأغراض النبيلة، والغايات السامية، وأنت - يا رسول الله - لم يقل قائل: إن همتك كانت واهنة، وأن عزيمتك كانت فاترة، أو أن

نهوضك كان كسيحاً أو أن نزوعك كان ضعيفاً، أو أن طموحك كان ميتا، أو أن قناتك لانت لغامز، أو أن نفسك ذلت لجبار، أو أن عودك انحنى لمتسلط، أو أن جهادك للإصلاح وقف في منتصف الطريق أو

حولته عن القصد غايات، أو منعته عن نهايته موانع.

من فيض الرسالة · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٦