-[عنت ومكابرة ... !!]-
التجأت قريش مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى العنت والمكابرة بعد أن فشلت في كل محاولة وخابت في كل سعي وأخفقت في كل جهد ظنا منها أن العنت والمكابرة ينطليان على الأغرار فيتسرب اليأس إلى نفوسهم ويسري الوهن إلى أفئدتهم ولا يكون هذا الرسول في نظرهم إلا صورة للرجل المحرور، أو الإنسان الأحمق، الذي يقذف بالدعاوى طويلة عريضة من غير دليل يؤيدها أو برهان يصدقها، ولم يدر بخلدهم أن زيفهم سينكشف وأن سحابة الصيف لابد أن تنقشع: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (سورة الرعد الآية: 17) كما لم يدر بخلدهم أن الخصم الذي يلتجئ إلى السلاح الهزيل يعلن من أول وهلة عن ضيق عطفه وسفاهة رأيه وطيش عقله وأنه لا يزيد شيئاً - في ميزان الحق - عن دموع المرأة التي تفزع إليها حينما يدركها الإعياء ويصيبها الهزيمة وهم أهل لدد، وأرباب بيان ودهاقين منطق وأصحاب بلاغة رائعة وما كان يظن ظان أنهم سينحدرون هذا الانحدار أو يسفون ذلك الإسفاف أو يتهافتون إلى هذا الحد.
والذي يتبع (القرآن الكريم)، ليقف على ما كان منهم من عنت ومكابرة يجد الأعاجيب، أغاليطهم والأكاذيب في دعاواهم ولعل ذلك كله يبرز بصورة واضحة إذ كانوا يتهمونه فيما يقوله عن ربه وينقله إليهم من وحيه ويزعمون أنه يمليه رومي كان يصنع السيوف بمكة لمولاه عامر بن الحضرمي، وقد قوى هذا الزعم عندهم أن ذلك الرومي من جنس له تشريع ولقومه ثقافة ومعرفة وأن هذا الذي يجيء به - صلى الله عليه وسلم - فيه من المنطق وله من سيما التربية والتهذيب وعليه من مسحة الأخلاق والأدب ما يروج لتلك الشبيهة المدعاة وتناسوا أن ذلك الكلام الذي يقرؤه محمد من معين عربي بحت وبيان لعربي محض ليست عليه سحنة الترجمة ولا فيه طابع النقل.