تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس هذا تخيلا يتخيله شاعر، ولا وهما يدور بخلد فيلسوف لأن الخليقة لم تعرف رجلاً لفت جيد الزمن، وشغل أذهان الناس وحير ألباب المفكرين، وتطلعت الدنيا إلى ما فيه من أخلاق نبيلة وسجايا عظيمة، وخلال طيبة، وسلوك حميد، وأدب جم، قبل أن تعرف أنت، فتعرف طلبها وعلاجها، وشفاءها ودواءها، ومثلها العليا ... والدراسة التي تناولتك - يا رسول الله - والآداب التي أخذت عنك، والسلوك الذي رسمته، والمنهج الذي بينته، والأخلاق التي رغبت فيها، ودعوت إليها هي الدستور الذي كانت البشرية بحاجة إليه لينير لها الطريق إلى مستقبل أفضل، وغاية أكرم، ومجد أنبل، وسعادة أعظم، وأمن أشمل، وعدالة أكمل، وإصلاح أعمق، وبخاصة إذا نظرنا إلى تلك البلبلة التي كان عليها العرب، حينئذ - وإلى تلك الجهالة التي كانت تضرب بجرانها في الجزيرة، ولا سيما في المسائل الدينية وقد كانوا فيها أشبه ببحر يموج، أو بركان يغلي، لا هدف يصح لهم أن يتجهوا إليه، ولا غاية يمكن أن يقفوا عندها، ولكنهم كانوا يعبدون الكواكب، ويؤلهون القوة، ويعظمون الجماد، ولا يدينون للحق، أو يفتحون قلوبهم للهداية، أو ينظرون بعيونهم نحو النور أو يوجهون أفئدتهم إلى الصواب، يشتغلون بالخرافة ويتعلقون بالباطل، ويهتمون الاهتمام كله بالأخذ بالثأر، والمعاقرة للخمر، وإشباع الشهوات النازلة، والميول الساقطة، وليس لهم من المعارف ما يساعدهم على أن تكون لهم حضارة تجعلهم في صفوف الدول الناهضة، أو الأمم المتقدمة، المتطلعة إلى العمران والإصلاح، والانتعاش واليقظة، والسير إلى الغايات المحمودة ...

وفي الحق! إن للدهر أن يطأطئ رأسه لك - يا رسول الله - إجلالا لما كان من تاريخك، وإعجابا بما كان من خلالك، وإكبارا لما كنت عليه من خلق عظيم، تجاوز حدود التقدير والاحترام ...

من فيض الرسالة · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٥