ولقد كان له من قبل حيث كان الإسلام محصوراً بالمدينة وما حولها أن يشرف بنفسه على ما يجري بين المسلمين، أمّا وقد انتشر الدين في أنحاء بلاد العرب جميعا، وهاهو ذا يشارف الانتقال منها فكلّ تهاون مع المنافقين شرّ تخشى مغبته، وخطر ما أسرع ما يستشري إذا لم تجتثّ جرثومته. بنى جماعة مسجدا بذي أوان، بينه وبين المدينة نحو ساعة؛ وإلى هذا المسجد كان يأوي جماعة من المنافقين يحاولون أن يحرّفوا كلام الله عن مواضعه. وأن يفرّقوا بذلك بين المؤمنين ضرارا وكفرا. وطلبت هذه الجماعة إلى النبيّ أن يفتتح المسجد بالصلاة فيه. وكان طلبهم هذا قبل تبوك، فاستمهلهم حتى يعود. فلما عاد وعرف أمر المسجد وحقيقة ما قصد إليه من إقامته أمر بإحراقه، فضرب بذلك مثلا ارتعدت له فرائض المنافقين فخافوا وانزووا، ولم يبق لهم من يحميهم إلا عبد الله بن أبي شيخهم وقائدهم.
على أن عبد الله لم يعمّر بعد تبوك غير شهرين مرض إثرهما وتوفي.
وبغزوة تبوك تمت كلمة ربك في شبه الجزيرة كلها، وأمن محمد كل عادية عليها، وأقبل سائر أهلها وفودا عليه يقدمون الطاعة ويعلنون لله الإسلام، فكانت هذه الغزوة بذلك خاتمة غزوات النبي عليه السلام.
والواقع أن سورة التوبة كانت السجل الواعي لغزوة تبوك، وقد عرفت لكل لون من ألوان النفاق الذي صهر به هؤلاء، الذين كان لهم ظاهر وباطن يغاير كلاهما الآخر، في حقيقته المكشوفة، حتى لقد كانت هذه السورة تسمى عند علماء التفسير بالفاضحة، لأنها فضحت أمرهم، وهتكت أسرارهم، ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عنيفاً في معاملتهم، كما ثبت ذلك مع الذين اتخذوا مسجد ضرارا، وكما ثبت مع الذين خلفوا إلا أن ذلك كله كان في آخر المطاف، حيث لم يبق في قوس الصبر منزع كما يقولون، وإلا فإن الباب كان مفتوحا لهم على مصراعيه
لا في الاستئذان الكثير، الذي عاتبه الله عليه بقوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ