تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم عادوا لم يغنموا ولم يأسروا، بل لم يقاتلوا، وكلّ الذي فعلوا أن أقاموا بتبوك قرابة عشرين يوما. فهل لهذا قطعوا الصحراء في شدّة القيظ في حين كانت ثمار المدينة قد طابت وآن أن يستمتع الناس بها؟! وجعل جماعة منهم يستهزئون بما فعل محمد؛ ونقل من ملأ الإيمان قلوبهم نبأهم إليه. فأخذ المستهزئين بالشدّة حينا وباللين حينا، والجيش يسير قافلا إلى المدينة ومحمد يحفظ النظام في صفوفه. حتى إذا انتهى إليها لم يلبث ابن الوليد أن لحقه بها؛ لحقه ومعه أكيدر، وما حمل من دومة من إبل وشاة وبرّ ودروع، وعلى أكيدر حلّة من ديباج موشى بالذهب بهت أهل المدينة لمرآها.

وهنالك اضطرب الذين تخلفوا عن اتباعه اضطراباً، رد المستهزئين إلى صوابهم، وجاء المتخلفون يعتذرون وأكثرهم يشوب معاذيره الكذب، وأعرض محمد - صلى الله عليه وسلم - عما صنعوا تاركاً لله حسابهم، لكن ثلاثة صدقوا الله ورسوله فاعترفوا بتخلفهم، وأقروا بذنبهم، هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال ابن أمية، وقد أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - فأعرض المسلمون عنهم خمسين يوما لا يكلمهم أحد ولا تصل بينهم وبين مسلم تجارة.

ثم تاب الله على هؤلاء الثلاثة، ومنذ ذلك اليوم بدأ محمد - صلى الله عليه وسلم - يشتدّ في معاملة المنافقين شدّة لم يألفوها من قبل، ذلك أن عدد المسلمين زاد زيادة تجعل عبث المنافقين بهم خطرا يخشى منه ويجب تلافيه وعلاجه. ولم يقم بنفس محمد ريب، بعد أن وعده ربّه لينصرنّ دينه وليعلينّ كلمته في أنهم سيزدادون من بعد أضعاف زيادتهم اليوم، وعند ذلك يصبح المنافقون خطرا عظيما.

من فيض الرسالة · الصفحة ٢٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٢٠٦