لأن المقدور هو الذي يكون تحققه ووقوعه، لأجل تأثير القادر فيه وما كان متحققا في العدم، يمتنع أن يقال: إن تحققه وتعينه لأجل تأثير القادر فيه. فثبت: أن ما كان مقدورا، يمتنع كونه متحققا في العدم. وهذا كلام معتقد متين في تقرير هذا المطلوب.
الحجة السادسة: إنه تعالى هو الذي أقدر العبد على الفعل. ومن أقدر غيره على شيء، وجب أن يكون هو قادرا عليه. لأن العاجز عن الشيء، يمتنع أن يجعل غيره قادرا عليه، كما أن الجاهل بالشيء يمتنع أن يجعل غيره عالما بذلك الشيء.
ولما توافقنا على أن اللَّه تعالى هو الذي أقدر العبد على الفعل وثبت: أن من أقدر غيره على
فعل، وجب أن يكون قادرا عليه: لزم القطع بكون اللَّه تعالى قادرا على مقدور العبد.
الحجة السابعة: قادرية اللَّه تعالى، أكمل من قادرية العبد، فإذا لم يمتنع تعلق قادرية العبد بذلك المقدور، مع كون تلك القادرية ناقصة، فبأن لا يمتنع ذلك في قادرية اللَّه تعالى، مع كونها كاملة، كان أولى.
الحجة الثامنة: لو لم يكن مقدور العبد، مقدورا للَّه تعالى. لزم تناهي مقدورات اللَّه تعالى. لأن جملة مقدورات اللَّه تعالى، بدون مقدورات العباد: أقل من مجموع مقدورات اللَّه تعالى مع مقدورات العباد. وكل ما كان أقل من غيره كان متناهيا. فلو لم تكن مقدورات العباد، مقدورة للَّه تعالى. لزم أن يقال: مقدورات اللَّه تعالى متناهية. ولما كان اللازم باطلا، كان الملزوم أيضا باطلا.
وهذه الوجوه الثلاثة الأخيرة فيها إيجاب.
وأما المقدمة الثانية: فهي في بيان أن كل ما كان مقدورا للَّه تعالى، فعند وقوعه يجب أن يكون وقوعه بقدرة اللَّه تعالى.
وتقريره من وجهين:
الأول: إن العبد إذا قصد إلى إيجاد مقدوره، واللَّه تعالى أيضا قصد إلى إيجاده في ذلك الوقت. فإما أن يقع ذلك الفعل أو لا يقع. والقسمان باطلان،