الأول: إنه يلزم منه كون المعدوم شيئا، وهو محال (1)
والثاني: حصول الجسم في الحيز لا حقيقة له، ولا ماهية له إلا هذا الحصول، وتحقق هذا الحصول حال كون الجسم معدوما: محال. إلا أن يقال: الجسم حال عدمه حاصل في الحيز، ومنتقل من حيز إلى حيز آخر. إلا أن هذا لا يقوله عاقل. ولو جاز ذلك، فكيف الأمان من كون هذه المتحركات والساكنات معدومة؟ ومعلوم أن من جوز ذلك، فهو قد فارق العقل بالكلية.
الحجة الخامسة: إن الحركة التي هي مقدورة للعبد، والحركة التي هي مقدورة للَّه تعالى.
إما أن يكون لهما تحقق وتعين قبل الدخول في الوجود، أو لا يكون. والأول محال. لأنه لا معنى للمقدور إلا الذي يكون تحققه وتكونه يقع بتأثير القادر. وما كان كذلك، كان تحققه متأخرا عن تأثير قدرة القادر، والمتأخر عن تأثير القادر ممتنع أن يكون هو بعينه مقدما على تأثير القادر.
فثبت: أن الذي هو مقدور للعبد، والذي هو مقدور للَّه تعالى: لا تحقق له، ولا تعين له، قبل الدخول في الوجود. وما كان كذلك، امتنع أن يقع فيه الامتياز، وكل ما لا امتياز أن يقال: إن شيئا منه مقدور للعبد ولا للَّه، وشيء آخر منه مقدور للَّه ولا للعبد. فثبت: أن القول بأن مقدور العبد غير مقدور اللَّه: يفضي إلى هذين القسمين الباطلين، فيكون باطلا بهذا الطريق.
ومعنى قول من يقول: «إن تلك المقدورات أشياء وأمور حاصلة في العدم» أنا نقول: إن بتقدير أن يتحقق في العدم شيء أمور متميزة. إلا أن على هذا التقدير، يمتنع كونها مقدورة.
(1) قال الفخر الرازي في «محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين»: «زعم أبو يعقوب الشحام وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وأبو الحسين الخياط وأبو عبد اللَّه البصري وأبو إسحاق ابن عياش والقاضي عبد الجبار بن أحمد وتلامذته أن المعدومات الممكنة قبل دخولها في الوجود ذوات وأعيان وحقائق وأن تأثير الفاعل ليس في جعلها ذوات بل في جعل تلك الذوات موجودة» (ص (83)). وقال أيضا «المعدوم إما أن يكون ممتنع الثبوت ولا نزاع في أنه نفي محض وإما أن يكون ممكن الثبوت وهو عندنا وعند أبي الهذيل وأبي الحسين البصري من المعتزلة نفي محض خلافا للباقين من المعتزلة .. » (ص (78)). ويقرر في أصول الدين أن «المعدوم ليس بشيء» (ص (30)). وقد كان المعتزلة قبل الشحام يقولون بأن - - المعدوم لا يصح أن يكون شيئا أو ذاتا أو جوهرا أو عرضا. أما الأشاعرة فقد كانوا يقولون بأن المعدوم ليس بشيء. وينقل الإمام ابن فورك هذا القول عن الإمام الأشعري نفسه (مجرد المقالات ص (252)). وانظر مسألة شيئية المعدوم في: المواقف للإيجي ص (53). والشامل في أصول الدين للجويني - وقد أطنب في الرد على المعتزلة لقولهم به - ((124) - (137)) والتوحيد لأبي منصور الماتريدي ص (86) - (92)، والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى ص (129)؛ والفصل لابن حزم (155) / (5) ومقالات الإسلاميين للأشعري ريتر (504) - (505) و(519) - (523)؛ والفرق بين الفرق للبغدادي ص (179) وأصول الدين له أيضا ص (71)؛ والتبصير في الدين للأسفراييني ص (57)؛ والملل والنحل للشهرستاني (77) / (1) و(83)؛ المعتزلة لزهدي جار اللَّه (ص (58) - (60)) وفلسفة المعتزلة لألبير نصري نادر ج (2)، ومناقشة الدكتور أحمد صبحي للموضوع في كتابه علم الكلام ((273) / (1) - (288)).