تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا شك أن أفعال العباد، قسم من أقسام الممكنات، فوجب القطع بانتهائها في سلسلة الحاجة إلى واجب الوجود لذاته. وهو المطلوب.

فإن قيل: عندنا: أن فعل العبد واقع بالقدرة القائمة بالعبد، وبالداعية القائمة به. وتلك القدرة وتلك الداعية، إنما حدثت بإيجاد واجب الوجود. فكان فعل العبد مستندا إلى واجب الوجود بهذا الطريق. إلا أن إسناده إلى واجب الوجود، بهذا الطريق، لا يمنع من وقوعه بقدرة العبد. فثبت: أن الدليل الذي ذكرتم لا يفيد مقصودكم من هذه المسألة.

الجواب: نحن ندعي أن عند فقدان القدرة والداعي، يمتنع حصول الفعل. وعند حصولهما يجب الفعل. ومتى كان الأمر كذلك، لم يكن العبد مستقلا بالفعل. أما أنه لا بد من القدرة، فلأن العاجز عن الفعل، لا يفعل. وأما أنه لا بد من الداعية، فلما بينا في البرهان الأول: أن القادر إذا خلا عن الداعية، امتنع صدور الفعل عنه وأما عند مجموع القدرة والداعي، يجب الفعل. فلأن عند حصول هذا المجموع، يحصل رجحان جانب الفعل. ومتى حصل الرجحان، فقد حصل الوجوب. للدلائل الجمة التي قررناها في البرهان الأول.

فثبت: أن عند فقدان مجموع القدرة مع الداعي، يمتنع الفعل. وثبت: أن عند حصولهما يجب الفعل. فإذا فعل اللَّه ذلك المجموع، وجب الفعل وإذا لم يفعل ذلك المجموع، امتنع الفعل. فحينئذ لا يكون العبد مستقلا

البرهان الثالث على أن أفعال العباد بتقدير اللَّه تعالى

أعلم أنا قبل الخوض في تقرير هذا البرهان، نفتقر إلى تقديم مقدمات:

فالمقدمة الأولى: إنا نرى الناس مختلفين في العقائد. والاختلاف لا بد في البحث عن أسبابه.

فنقول: أسباب هذا الاختلاف: قد تكون من داخل ذات الإنسان، وقد تكون من خارج ذاته.

والقسم الأول على ثلاثة أقسام:

أحدها: اختلاف ماهيات النفوس الناطقة، وبيان حقائقها. فإن منها ما تكون زكيّة بالذات والجوهر. ومنها ما تكون بليدة. ومنها ما تكون رحيمة

القضاء والقدر · الصفحة ٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٤٧