تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحجة الخامسة: الترك ترك. وهذا يفيد أن العلم الضروري حاصل، بأن القادر إذا شاء الفعل، ولم يكن هناك مانع، فإنه لا بد وأن يفعل. وإذا شاء الترك ولم يكن هناك مانع، فإنه لا بد وأن يترك. ولا نرى في الدنيا عاقلا يقول: إني إن شئت أن أفعل لم أفعل. وإن شئت أن لا أفعل فعلت. فثبت: أن هذا دليل قاطع على أن جميع العقلاء يعلمون بالضرورة: أن القادر متى أراد الفعل، ولا مانع له عنه، فإنه يفعله لا محالة. وإذا أراد الترك، ولا مانع له عن الترك، فإنه يترك. وثبت: أن القول بحصول الفعل عند إرادة الترك، وبحصول الترك عند إرادة الفعل إذا كان لا مانع له عن المراد. أمر لا يجوزه عاقل أصلا.

فثبت بهذه الوجوه: أنه متى حصل الرجحان، لزم القول بالوجوب. وذلك يبطل ما ذكروه من الاحتمال.

وباللَّه التوفيق

البرهان الثاني على ما ذكرناه

أن نقول:

لا شك أن كل موجود. فهو إما أن يكون واجب الوجود لذاته، أو لا يكون. والقسم الأول هو اللَّه - سبحانه - والقسم الثاني هو كل ما سواه. وهذا القسم تكون حقيقته قابلة للعدم، وقابلة للوجود. أما كونها قابلة للعدم، فلأن حقيقته إن لم تكن قابلة للعدم، كان واجب الوجود لذاته. وكنا قد فرضنا: أنه ليس كذلك. هذا خلف.

وأما كونها قابلة للوجود. فلأنا فرضناها موجودة.

ولو لم تكن تلك الحقائق قابلة للوجود، لما كانت موجودة. فثبت: أن كل ما سوى اللَّه سبحانه، فإن حقيقته قابلة للعدم، وقابلة للوجود. وكل ما كان كذلك، فهو مفتقر إلى المؤثر.

فكل ممكن، فهو مفتقر إلى المؤثر. والشيء الذي يفتقر إليه كل الممكنات لا يكون ممكنا. وإلا لكان ذلك الممكن مفتقرا إلى نفسه فثبت: أن جميع الممكنات مستندة في سلسلة الحاجة والافتقار إلى واجب الوجود.

القضاء والقدر · الصفحة ٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٤٦