وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وجميع آيات الفعل والصنع والسعي والكسب والعمل والتكليف والثواب والعقاب الخ.
والمتوسطون رأوا في قوله عزّ وجلّ وَما تَشاؤُنَ إِلّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ربطا بين المشيئتين وفهموا الكسب على أنه وسط بين الجبر و (الخلق) والحرية (أو أن يخلق المرء فعله من غير قيام موانع تمنعه من الفعل).
والحقيقة أن القرآن لا تفهم آياته بهذا النمط التعسفي الذي يجعل بعض آياته حقيقة وبعضها الآخر مجازا فيسلط التأويل على الأخرى بحجة كونها مجاز أو كونها متشابهة أو غير ذلك دون أي برهان أو دليل.
إن على الباحث المسلم أن يتناول الآيات دون أن يجتزئها من سياقاتها القريبة والبعيدة
وأن يعتبر القرآن كلا لا يتجزأ يفسر بعضه بعضا. وأنه يتجلى فيه بصورة معجزة وحدة المخاطب (بالكسر) والخطاب والمخاطب (بالفتح). أو بعبارة أوضح: اللَّه، الوحي (أو الرسالة)
والإنسان. ومن هنا فهو قول فصل، وبيان ليس فوقه بيان. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنه لا يفسر كذلك بمعزل عن السنة الشريفة الصحيحة الواردة عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.
وفي تقديري أننا بقدر ما نعرف نظرة القرآن الكريم للإنسان بقدر ما نعرف المسألة.
الإنسان ككائن يقف في الوسط بما أوتي من علم وعقل وأمانة ونفس وهوى، بين عالمين عالم الشهادة الذي يتصل به سلوكه وانشاؤه لأفعاله وبين عالم الغيب الذي يرتبط به - الجن والشياطين والملائكة وعالم الخلق والأمر.
أيضا إن في القرآن مسلمات ينبغي أن لا تغيب عن الذهن وإلا لأدى البحث إلى انحراف العقيدة والسلوك. منها أن الإنسان قطعا مبتلى ومكلف ومسئول عن عمله - كيفما كان عمله ودوافعه - ومنها أن الآخرة ويوم الدين واقعان لا محالة. وأن الساعة لا ريب فيها - فلا احتجاج لأحد بالجبر سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ