تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو أن هذا التفسير لا يليق بهذه الآيات الخمس. وذلك لأن قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ (1) وكيف يجوز أن يقال: إني لم أرسل رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم الغرض من التكاليف، ثم يقول بعده: إني أضللتهم عن الدين؟ فإنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله، ويصير الكلام ركيكا.

فثبت بهذه الوجوه: أنه لا يمكن أن يكون المراد من قوله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ خلق الكفر والجهل فيهم. وإذا ظهر هذا، علمنا أن المراد منه شيء آخر. وحينئذ لا نحتاج إلى تعيين ذلك المراد في مقام الجدل.

ثم إنا نبين وجوها كثيرة تحتملها هذه الآية:

فالتأويل الأول: إن الرجل إذا ضل باختياره عند حضور شيء من غير أن يكون لذلك أثر في ضلاله. فيقال لذلك الشيء: إنه أضله. قال تعالى في حق الأصنام: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ (2) أي ضلوا عند رؤيتها. وقال تعالى: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً (3) أي ضل كثير من الناس عند رؤيتهم. وقال: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً (4) وقال أيضا: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلّا فِراراً (5) أي لم يزدادوا بدعائي لهم إلا فرارا. وقال أيضا: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا، حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي (6) ومعلوم:

أنهم لم ينسوهم في الحقيقة، بل كانوا يذكرونهم اللَّه ويدعونهم إليه. لكن لما كان استغناؤهم بالسخرية منهم سببا في نسيانهم، أضيف النسيان إليهم. وقال أيضا في سورة التوبة: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ (7) فأخبر سبحانه: أن نزول السورة المشتملة على الشرائع تفرق أحوالهم. فمنهم من يصلح عند نزولها، فيزدادوا إيمانا، ومنهم من يفسد حينئذ، فيزدادوا كفرا. فلا جرم

(1) سورة إبراهيم الآية (4).

(2) سورة إبراهيم الآية (36).

(3) سورة نوح الآية (23) - (24).

(4) سورة المائدة الآية (68).

(5) سورة نوح الآية (6).

(6) سورة المؤمنون الآية (110).

(7) سورة التوبة الآية (124) - (125).

القضاء والقدر · الصفحة ٣١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٣١٨