تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها، لأنه لو كان خالق الإيمان والكفر هو اللَّه تعالى، لم يكن لجعل هذا إماما في الهدى، وجعل ذاك إماما في الضلال: معنى. لأن إمام الهدى، إن دعى المؤمن إلى الهدى. فهو عبث. لأن اللَّه تعالى، لما خلق الهدى في المؤمن، كانت دعوته إلى الهدى عبثا. وإن دعي الكافر إلى الهدى فهو محال. لأن من خلق اللَّه الكفر فيه، امتنع صيرورته مؤمنا. وكذا القول في الإمام الداعي إلى النار. فإنه لا يخلو من هذين الوجهين.

فثبت: أن على مذهب الجبر لا يبقى في جعل الشخص إماما في الهدى، وإماما في الضلال فائدة. وإذا ثبت هذا فنقول: لا بد لهذا الجعل من تأويل. وهو أحد أمرين: أحدهما:

الحكم والتسمية. والثاني: أن يحمل ذلك على أحوال القيامة. وذلك لأنهم في الآخرة يدعون أصحابهم إلى النار. كما قال في حق فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ. فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ (1) ومما يقوي ذلك: أن هذه الآية التي تمسكتم بها، ذكرها اللَّه عقيب خبر آل فرعون.

والجواب عن السؤال الأول: إنا إذا قلنا: الفعل معلول مجموع القدرة مع الداعي. فهذا السؤال زائل. وذلك لأن أئمة الضلال إذا دعوا إنسانا إلى الضلال وزينوه في قلبه. فدعوتهم هي التي أثرت في ترسخ تلك الداعية في قلب ذلك الإنسان. فلا جرم جاز وصفه بكونه إماما فيه. وأما تفسير الجعل بالحكم والتسمية. فقد تقدم جوابه.

وأما حمله على أحوال القيامة: فالجواب عنه من وجهين:

الأول: إن قوله: وَجَعَلْناهُمْ لفظ للماضي، فحمله على المستقبل خلاف الظاهر.

والثاني: هب أن الأمر كما قالوه: إلا أنه تعالى لما أخبر عنهم أنهم يكونون كذلك في القيامة، استحال أن لا يكونوا كذلك. وإلا لزم أن ينقلب خبر اللَّه الذي يجب أن يكون صدقا:

كذبا. وذلك محال. والمفضي إلى المحال محال. وتمام تقريره، قد تقدم. وباللَّه التوفيق.

(1) سورة هود الآية (98).

القضاء والقدر · الصفحة ١٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٦٠