الحجة العاشرة: قوله تعالى: قُلْ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ، مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ، وَعَبَدَ الطّاغُوتَ (1) وهذا تصريح بأنه تعالى جعلهم عبدة الطاغوت. ولا يمكن تفسير هذا الجعل بالحكم والتسمية. لأنه تعالى ذكر صيغة جعل، ثم أسند هذه الصيغة إلى القردة، ثم إلى الخنازير، ثم إلى عبدة الطاغوت. ولا شك أن المراد من جعل، عند إسنادها إلى القردة والخنازير، هي التصيير، والقلب من صفة إلى صفة.
فوجب أن يكون المراد بإسنادها إلى عبدة الطاغوت هذا المعنى أيضا، وإلا لزم استعمال اللفظ الواحد دفعة في حقيقته ومجازه معا. وإن ذلك محال.
فإن قيل: النص دل على أنه تعالى جعل من عبد الطاغوت. فصيغة جعل هاهنا متعدية إلى مفعول واحد، فكانت بمعنى الإحداث. فيكون المعنى: أنه تعالى خلق من عبد الطاغوت.
ولا نزاع فيه. وليس في الآية دلالة على أنه تعالى خلق عبادة الطاغوت فيهم.
والجواب عنه من وجهين:
الأول: إنه تعالى قال: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وجعل الشيء من شيء آخر. معناه: إزالة الصفة الأولى، وإحداث الصفة الثانية. وإذا كان كذلك، لم يكن هذا الجعل بمعنى الإحداث، بل بمعنى تصيير الشيء شيئا آخر. وإذا كان من الجعل المذكور في هذه الآية هذا المعنى، وجب أيضا أن يكون هو المراد في قوله: وَعَبَدَ الطّاغُوتَ وإلا لزم استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معا. وإنه لا يجوز. وإذا ثبت هذا وجب أن يكون معنى الآية: إنه تعالى جعلهم عَبَدَ الطّاغُوتَ وعند هذا يحصل المطلوب (2).
(1) سورة المائدة الآية (60).
(2) في عبد الطاغوت قراءات كثيرة صحيحة وضعيفة:
(1) - قرأ حمزة: عبد بضم الباء وكسر التاء من الطاغوت. أي: جعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت لأن فعل من صيغ المبالغة. وكذا قرأ مجاهد.
(2) - قرأ الباقون من العشرة: وعبد بالفتح على أنه فعل ماض. والطاغوت بفتح التاء كأنه قال: ومن عبد الطاغوت.
(3) - وقرأ أبيّ وابن مسعود (وعبد والطاغوت) حملا على معناها.
(4) - وقرأ ابن عباس: و (عبد) بضم العين والباء كأنه جمع عبد كسقف وسقف.
(5) - وقرأ أبو واقد الأعرابي (وعبّاد) جمع عابد للمبالغة.
(6) - وقرأ البصريون (وعباد) جمع عابد أيضا.
(7) - وقرأ أبو جعفر الرقاشي وعبد الطاغوت بالبناء للمفعول - وكذا قرأ النخعي والأعمش وابن القعقاع.
(8) - وقرأ عون العقيلي وابن بريد وعابد الطاغوت.
(9) - وقرأ ابن مسعود وأبي في رواية: (وعبدة).
(10) - وقرأ عبيد بن عمير (وأعبد) ... الخ.
راجع: حجة القراءات (231)؛ النشر في القراءات العشر (43) / (2). الكشف عن وجوه القراءات السبع (414) / (1)؛ المهذب في القراءات العشر (191) / (1)؛ المغني (23) / (2)؛ سراج القارئ (201)؛ البحر المحيط (519) / (3)؛ فتح القدير (55) / (2).