فلم كان حمله على ما ذكرتم أولى من حمله على ما ذكرنا؟ وعليكم الترجيح. بل ما ذكرناه أولى.
ويدل عليه وجوه:
الأول: إن اللام في قوله «لكم» لعود المنفعة. وهذا لا يطرد في الكفر والفسوق والعصيان، لأنها غير نافعة للعباد، بل ضارة لهم.
الثاني: إن قوله: «خلق لكم» يقتضي أن تلك الأشياء صارت مخلوقة، وحصل الفراغ منها، وأفعال العباد ليست كذلك.
الثالث: إن قوله: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ يقتضي كون كل واحد من هذه المخلوقات مخلوقا لكل أحد. وأفعال العباد ليست كذلك. لأنه لا انتفاء بكل واحد منها إلا لفاعله فقط.
واللَّه أعلم.
والجواب:
إن كلمة «في» مستعملة في قولنا: الماء في الكوز، وفي قولنا: العرض في المحل. والأصل عدم الاشتراك. والمجاز يوجب كون هذا اللفظ موضوعا بإزاء القدر المشترك بينهما. وذلك القدر المشترك هو أن يكون المظروف حاصلا في داخل الظرف، سواء كان ساريا فيه، كما في العرض والمحل، أو موضوعا في جوفه، كما في الماء والكوز. وإذا جعلنا لفظ «في» بإزاء هذا المعنى المشترك، وجب أن يدخل تحته جميع أنواعه، رعاية لعموم قوله: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
قوله: «اللام لعود المنفعة» قلنا: هذا يشكل بقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (1) واللَّه أعلم.
الحجة الثالثة عشر: قوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما: باطِلاً (2). هذا النص يقتضي أنه تعالى خالق لكل ما بين السماء والأرض،
(1) سورة البقرة الآية (10).
(2) سورة ص آية (27).