الحجة الحادية عشر: قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (1) فقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ يفيد أنه لا خلق إلا للَّه. وغاية ما في الباب: أنا خالفناه هذا الظاهر، في قوله تعالى: وَالْأَمْرُ لدليل قام عليه، فوجب أن يبقى هذا الحصر معتبرا في جانب الخلق.
الحجة الثانية عشر: قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (2) وأفعال العباد موجودة في ذواتهم، وذواتهم موجودة في الأرض. والموجود في الموجود في الشيء، موجود في الشيء. فصح أن أفعال العباد موجودة في الأرض. فقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يدل على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد.
فإن قيل: أهل اللغة نصوا على أن كلمة «في» للظرفية. وإنما يدخل في هذه الآية:
ما يكون حاصلا في الأرض، حصول المظروف في الظرف. وهي الأشياء المودعة في الأرض.
كالحيوانات والجمادات. أما أفعال العباد، فهي أعراض، ولا حصول لها في الأرض، على وفق حصول المظروف في الظرف، بل على وفق حصول العرض في المحل.
سلمنا: أن كلمة «في» تتناول ما يحصل في الشيء، حصول الدرّة في الحقّة. وما يحصل في الشيء حصول العرض في المحل. إلا أن هذين المعنيين معنيان مختلفان بالماهية، فكان لفظ «في» بالنسبة إلى هذين المفهومين، لفظا مشتركا. وحمل اللفظ المشترك على كل مفهومية غير جائز (3).
(1) سورة الأعراف الآية (54).
(2) سورة البقرة الآية (29).
(3) «المشترك هو اللفظ الموضوع للدلالة على معنيين فأكثر» وعرّفه السرخسي بأنه كل لفظ يشترك فيه معان أو أسام لا على سبيل الانتظام بل على احتمال أن يكون كل واحد هو المراد به لا على الانفراد وإذا تعين الواحد مرادا به انتفى الآخر» - - (أصول السرخسي (126) / (1)). وعلى المجتهد أن يحدد معنى اللفظ المشترك أو يرجح أحد معانيه بالقرائن اللفظية أو الحالية. أما إذا لم يكن من قرينة ترجح المعنى المراد فقد اختلف في إرادة كل واحد من معنييه أو معانيه. لا المجموع من حيث هو مجموع على مذاهب:
الأول: يجوز أن يراد من المشترك جميع معانيه سواء أ كان واردا في النفي أم في الإثبات. وهو مذهب الإمام الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني وجماعة من الشافعية وفريق من مشايخ المعتزلة كالجبائي والقاضي عبد الجبار، وقال به ابن الحاجب. ونقله القرافي عن الإمام مالك.
الثاني: لا يجوز أن يراد من معانيه إلا واحد، سواء أ كان واردا في النفي أم في الإثبات ويجب التوقف حتى يقوم الدليل على تعيين معنى من معانيه. وقال بهذا القول: معظم الحنفية وبعض الشافعية كإمام الحرمين وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي عبد اللَّه البصري. واختاره الإمام الرازي في كتبه كلها كما ذكر الأسنوي.
الثالث: يجوز أن يراد بالمشترك جميع معانيه في النفي دون الإثبات وهو مذهب لبعض فقهاء الحنفية راجع المحصول للرازي (108) / (1)؛ البرهان للجويني (343) / (1)؛ نهاية السئول للأسنوي (123) / (2)؛ أصول السرخسي (162) / (1)؛ كشف الأسرار (40) / (1)؛ الإحكام في أصول الأحكام (261) / (2)؛ التحصيل من المحصول (214) / (1)، الإبهاج (255) / (1)؛ إرشاد الفحول (20).