تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 ـ لقد كانت المحنة من الشدة بحيث أفرزت هذا الشعور؛ شعور أن الأرض والوجود كله يشارك في المقاطعة، والشعور أنه قد غدا شاذاً عن هذه المنظومة العابدة الساجدة الذاكرة لربها: «حتى تنكرت لي في نفسي الأرض».

4 ـ هذا الشعور لا تحسّه إلا نفس مؤمنة عاشت طويلاً متناسقة ومتوافقة، وكانت معروفة لهذه المنظومة: «فما هي بالأرض التي كنت أعرف».

لقد كانت هنالك علاقة حب وودّ، ليس فقط مع المجتمع؛ بل مع الأرض، ومع الوجود كله، ثم انقطعت بمجرد تقصير في طاعة الله عز وجل.

وكم من شواذ لا يستشعرون شذوذهم!

وما ذاك إلا لغياب الرابطة السابقة مع هذه المنظومة.

وعندما تغيب هذه الرابطة؛ يغيب الرصيد في بنك الخير والطاعة والعبودية.

وتأمل يونس بن متى ـ عليه السلام ـ وهو يبين فضل هذا الرصيد الذي نفعه في محنته:

﴿وَذَا النُّونِ إذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].

إنه الرصيد العظيم للأيام العظيمة؛ للمحن المركبة، والظلمة المركبة؛ (ظلمة حوت في بطن حوت آخر في ظلمة البحر. وأنه ذهب به الحوت في البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].

5 ـ إنه لألم عظيم أن تستشعر الرفض والشذوذ ممن حولك، خاصة في المواقف الصعبة؛ وإنها لمصيبة كبرى أن تفتقد الرصيد، عند اللحظات الفاصلة، وهل هناك أصعب من المشاعر عند مشهد النهاية.

وتدبَّر مصيبة آل فرعون عند مشهد نهايتهم، ولحظات رحيلهم: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: 29].

من مجلة البيان · الصفحة ٩٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من مجلة البيانص ٩٢٩