تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا لم تحقق التربية غلبتها على عامل الزمن فإنها تتقهقر وتتخلف، وتصير تابعة لا متبوعة، وتعجز عندئذ عن ضمان حاجة الحضارة إلى التجديد والنمو؛ فالإنسان هو صانع الحضارة وكل شيء في الحضارة يتوقف عليه، والإنسان بدوره أيضاً يتوقف مصيره إلى حد بعيد على التربية من حيث هي التي تكون البيئة التي تترعرع فيها مواهبه ومختلف قدراته وخبراته. فكلما ازدهرت التربية ازدهرت الحضارة واتسعت أمامها آفاق الإنسان. وما التفاوت الذي حدث للتربية المدرسية الكنسية في القرون الوسطى(1) إلا خير دليل على خطورة تخلف التربية عن ركب الحضارة، كما أن مجهودات المصلحين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين خير دليل على أهمية التربية بالنسبة إلى نشأة النهضة وازدهارها.

ولعل أخطر حالات التفاوت بين الحياة، والتربية هي عندما يكون التباين بين مطالب الحياة، والمحتوى التربوي وخبراته، وجميع أهداف التربية وأغراضها؛ لأن التربية التي لا تتمتع بالرؤية الواضحة عن الحاضر بكل جوانبه، والمستقبل بكل أبعاده لا تعرف كيف تواجههما، وكيف تعد الأجيال لهما بالضرورة؛ لأن تحديد موقف التربية منهما لا يكون سليماً في المستوى المطلوب إلا بقدر تغلغلها في أسرار الواقع التاريخي المتغير، وإلا تصبح الأجيال التي تربيها والخبرات التي تعلمها غير مطابقة لمتطلبات العصر، فلا تفيد أصحابها في حياتهم الحضارية، أو تكون غير مناسبة لمقومات الأمة وقيمها.

من مجلة البيان · الصفحة ٦٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من مجلة البيانص ٦٤٨