تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخي الحبيب: كم يعتريني خجل وحياء كلما رأيت قلمي يداعب الورقة لكتابة رسالة إليك، فأنا كالمدين الذي جاء يسدد الدين بعد فوات الأجل، تراه يسير بجانب الجدار ثم يطرق الباب، وهو يسأل الله ألا يفتحه الدائن بل أحد أبنائه الصغار، فيعطيه ما معه وينصرف سريعاً ليختفي عنه ردحاً من الدهر.. وأحسب أني لا أختلف كثيراً عن ذلك المدين؛ فكم أتمنى أن أرسل هذه الرسالة مع أحد معارفك أو زملائك، أو لعل ريحاً تأتي فتحمل تلك الرسالة إليك وتريحني من عناء اللقاء المشوب بخجل المداينة؛ لكن طمعي وأملي في جميل طبائعك وكريم سجاياك سيجعلني أتجرأ لأقف بالرسالة بين يديك فأعطيكها دون خوف الدَّين والمدين.

مشاعر غريبة جداً اعتلجت في صدري حينما قرأت ما كتبته إليَّ حول طلبك النصيحة مني:

أهي شعور بالفرح لاستمرار الثقة والمودة بيننا؟

أم شعور بالخوف من عدم القدرة على أداء هذه المهمة؟

أم شعور محبط بنقصي الذي يمنعني من نصح من هم على مستوى عالٍ من الخلق والدين.

وبقيت أياماً لا أستطيع تحديد حقيقة مشاعري وموقفي تجاه تلك الرسالة، حتى استقر شأني على أمرين لا ثالث لهما: إما أن أكتب الرد، أو لا أكتبه.

وكان لكلٍ من هذين الأمرين داعيه الذي يلح عليَّ بالإجابة فأقف حائراً بينهما، ولكني عزمت على الكتابة أداءً للحق الواجب شرعاً بين المؤمنين، ولعلَّ الله - تعالى - أن ينفعني وإياك بهذه الوصايا:

الوقفة الأولى: رفيق الدرب!

أخي الفاضل... ما أشق الطريق وأبعد الغاية على الذين يسافرون وحدهم من غير صاحب يخفف عنهم عناء الطريق، ويدفع عنهم جهد السفر، والمسلم في هذه الحياة مسافر يحتاج إلى أنيس في سفره ومعين في جهاده حتى يصل لغايته وهدفه، ويا لسعادة ذلك المسافر إن كان رفيق دربه كيّساً تقياً! ويا لتعاسته إن كان غير ذلك!

من مجلة البيان · الصفحة ٥٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من مجلة البيانص ٥٨٢