تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذا الاستعانة بالله والاعتصام به واللجوء إليه ـ سبحانه ـ كلها تستلزم أن يحسن العبد الظن بربه ـ عز وجل ـ، وكذلك فإن حَسُنَ الظن بالله يجب أن يقترن بالخوف منه ـ سبحانه ـ حتى لا يفضي إلى الغرور وترك العمل، وقد قال أبو سليمان الداراني ـ رحمه الله ـ: (من حَسُنَ ظنه بالله ـ عز وجل ـ ثم لا يخاف الله فهو مخدوع)(14). وبهذا يتبين أن حسن الظن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدة نواحي اعتقادية سلوكية لدى المؤمن تتعايش مع إيمانه وعبوديته لله ـ سبحانه ـ؛ ولذا كان لزاماً التنبيه لهذا الأمر وتوضيحه.

3- ومما يُجلّي أهمية هذا الأمر واقع الناس وحالهم مع حسن الظن بالله؛ فمن الناس من اتكل على حسن ظنه بربه واعتمد عليه مع إقامته على المعاصي متناسياً ما توعد الله به من وقع في مساخطه وما يغضبه، وغافلاً عن الخوف من الله حتى وقع في الغرور.

وعلى النقيض من هذا من ساء ظنه بربه فاعتقد بالله خلاف مقتضى أسمائه وصفاته واقعاً بما وصف الله به الكفار والمنافقين من أنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.

وانظر إلى ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ عندما يتكلم عن حال الناس في الظن بالله حيث يقول: (فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء؛ فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: (ظلمني ربي ومنعني ما أستحق) ونفسه تشهد عليه لذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به. ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامناً كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شَراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته، لرأيت عنده تعتباً على القدر وملامة له، واقتراحاً عليه خلاف ما جرى به، وأنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر. وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك:

فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجياً(15)

من مجلة البيان · الصفحة ٥٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من مجلة البيانص ٥٢٨