ما هي المبادرة المنشودة؟
إننا في حديثنا عن المبادرة هنا إنما نعني: أن يسابق المرء إلى الأمور التي تبدو له فائدتها دون انتظار تقدم الآخرين وإقدامهم، فيأخذ الزمام ويُقْدِم على الأمر بعد دراسة وتخطيط، فإن نجح المبادر في مسيره.. فهو مأجور من طريقين: طريق الاجتهاد، وطريق الإصابة؛ إذ هو مجتهد مصيب، وإن أخطأ ولم يصب فهو مأجور كذلك له أجر الاجتهاد ولو لم ينل أجر الإصابة.
أدلة مشروعية المبادرة والحث عليها:
أتت النصوص الشرعية كتاباً وسنة بالحث على المسابقة على أعمال الخير والتنافس فيها والمسابقة إليها، وهذا النوع من المبادرة هو ما لا ينتظر المرء غيره في الإقدام على الطاعة، بل يتقدم هو لذلك جاعلاً نفسه قدوة للناس وإماماً، والله ـ تعالى ـ يقول على لسان نبيه إبراهيم الخليل:-((وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً)) [الفرقان: 74] أي: قدوة يحتذى بفعاله. والمسلم يسأل الله ـ تعالى ـ أن يكون مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر.. وطبيعة المفتاح أنه أول الداخلين، مما يعني كون الداعي مبادراً للعمل سابقاً إليه.
وقد حكى لنا القرآن الكريم قصة الرجلين المبادرين اللذين قال الله فيهما: ((وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى)) [القصص: 20] قال الوزير ابن هبيرة: (تأملت ذكر أقصى المدينة؛ فإذا الرجلان جاءا من بُعدٍ في الأمر بالمعروف ولم يتقاعدا لبعد الطريق).
وأما مبادرات الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالحديث عنها طويل جداً، غير أنني أشير إلى القصة الشهيرة التي تروي لنا أنه (فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قِبَلَ الصوت فاستقبلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قد سبق الناس وهو يقول: (لم تراعوا، لم تراعوا) وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف)(2). فدل الحديث على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سبق إلى استطلاع الأمر.