يقول الماوردي: «إن من الأسرار ما لا يُستغنى فيه عن مطالعة صديق مساهم، واستشارة ناصح مسالم، فليختر لسرّه أميناً، إن لم يجد إلى كتمه سبيلاً، وليتحر المرء في اختيار مَنْ يأتمنه عليه، ويستودعه إياه، فليس كل مَنْ كان أميناً على الأموال؛ كان على الأسرار مؤتمناً، والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار؛ لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه، بمبادرة لسانه، وسقط كلامه، ويشح باليسير من ماله، حفظاً لَهُ، وضناً به، ولا يرى ما أضاع من سرّه كبيراً، في جنب ما حفظه من يسير ماله، مع عِظَم الضرر الداخل عليه، فمن أجل ذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذراً، وأقل وجوداً من أمناء الأموال، وكان حفظ المال أيسر من كتم الأسرار؛ لأن أحراز الأموال منيعة، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق، ويشيعها كلام سابق»(2).
وينبغي التنبيه في هذا المقام إلى أن المحافظة على الأسرار مشروطة بأن لا تؤثر في حق الله ـ تعالى ـ أو حق المسلمين، وإلا عُدَّ من الخيانة لحق الله ـ تعالى ـ أو حق المسلمين، وليس حفظ الأسرار هنا من الأمانة(3).
ونتناول موضوع المحافظة على الأسرار من خلال الأمور الآتية: تعريف السِّر، والمحافظة على الأسرار أمانة عظيمة، وصفات أمين السر، والتحذير من إفشاء الأسرار، ونماذج من السلف في المحافظة على الأسرار.
أ - تعريف السِّر:
1- في اللغة: اسم لما يُسر به الإنسان؛ أي يكتمه، وهو مأخوذ من مادة (س ر ر) التي تدل على إخفاء الشيء(1).
2 - في الاصطلاح: قال الراغب الأصفهاني: «السِّرُّ هو الحديث المُكَتَّمُ في النفس»(2).