كأن زهاءها أحد إذا ما ... بدت أركانه للناظرينا
ترى الأبدان فيها مسبغات ... على الأبطال واليلب الحصينا
وجرداً كالقداح مسومات ... نؤم بها الغواة الخاطيينا
كأنهم إذا صالوا وصلنا ... بباب الخندقين مصافحونا
أناس لا ترى فيهم رشيداً ... وقد قالوا ألسنا راشدينا
فأحجرناهم شهراً كريتاً ... وكنا فوقهم كالقاهرينا
نراوحهم ونغدو كل يوم ... عليهم في السلاح مدججينا
بأيدينا صوارم مرهفات ... نقد بها المفارق والشئونا
كأن وميضهن معريات ... إذا لاحت بأيدي مصلتينا
وميض عقيقة لمعت بليل ... ترى فيها العقائق مستبينا
فلولا خندق كانوا لديه ... لدمرنا عليهم أجمعينا
ولكن حال دونهم وكانوا ... به من خوفنا متعوذينا
فإن نرحل فإنا قد تركنا ... لدى أبياتكم سعداً رهينا
إذا جن الظلام سمعت نوحى ... على سعد يرجعن الحنينا
وسوف نزوركم عما قريب ... كما زرناكم متوازرينا
بجمع من كنانة غير عزل ... كأسد الغاب قد حمت العرينا
فأجابه كعب بن مالك أخو بني سلمة فقال:
وسائلة تسائل ما لقينا ... ولو شهدت رأتنا صابرينا
صبرنا لا نرى لله عدلاً ... على ما نابنا متوكلينا
وكان لنا النبي وزير صدق ... به نعلو البرية أجمعينا
نقاتل معشراً ظلموا وعقوا ... وكانوا بالعداوة مرصدينا
نعاجلهم إذا نهضوا إلينا ... بضرب يعجل المتسرعينا
ترانا في فضافض سابغات ... كغدران الملا متسربلينا
وفي أيماننا بيض خفاف ... بها نشفي مراح الشاغبينا
بباب الخندقين كأن أسداً ... شوابكهن يحمين العرينا
فوارسنا إذا بكروا وراحوا ... على الأعداء شوساً معلمينا
لننصر أحمداً والله حتى ... نكون عباد صدق مخلصينا
ويعلم أهل مكة حين ساروا ... وأحزاب أتوا متحزبينا
بأن الله ليس له شريك ... وأن الله مولى المؤمنينا
فإما تقتلوا سعداً سفاهاً ... فإن الله خير القادرينا
سيدخله جناناً طيبات ... تكون مقامة للصالحينا
كما قد ردكم فلاً شريداً ... بغيظكم خزايا خائبينا
خزايا لم تنالوا ثم خيراً ... وكدتم أن تكونوا دامرينا
بريح عاصف هبت عليكم ... فكنتم تحتها متكمهينا
وقال عبد الله بن الزبعري السهمي في يوم الخندق:
حتى الديار محا معارف رسمها ... طول البلى وتراوح الأحقاب
فكأنما كتب اليهود رسومها ... إلا الكنيف ومعقد الأطناب
قفراً كأنك لم تكن تلهو بها ... في نعمة بأوانس أتراب
فاترك تذكر ما مضى من عيشة ... ومحلة خلق المقام يباب
واذكر بلاء معاشر واشكرهم ... ساروا بأجمعهم من الأنصاب
أنصاب مكة عامدين ليثرب ... في ذي غياطل جحفل جبجاب
يدع الحزون مناهجاً معلومة ... في كل نشر ظاهر وشعاب
فيها الجياد شوازب مجنوبة ... قب البطون لواحق الأقراب
من كل سلهبة وأجرد سلهب ... كالسيد بادر غفلة الرقاب
جيش عيينة قاصد بلوائه ... فيه وصخر قائد الأحزاب
قرمان كالبدرين أصبح فيهما ... غيث الفقير ومعقل الهراب
حتى إذا وردوا المدينة وارتدوا ... للموت كل مجرب قضاب
شهراً وعشراً قاهرين محمداً ... وصحابه في الحرب خير صحاب
نادوا برحلتهم صبيحة قلتم ... كدنا نكون بها مع الخياب