تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الترك والاعتراف لهم بحق الاستقلال في بلادهم واحترام سلطة الخليفة التركي وإظهار

الرغبة في مساعدته كما فعلت فرنسة إذا هي عجزت عن إقناعها مع إيطالية ثانية

بالاتفاق معها على الإجهاز على هذا الاستقلال.

وأما أمراء الحجاز فقد ظهر فيهم ما كنا نقوله لأبناء الوطن السوري فيهم وهو

أنهم لا رجاء فيهم للمسلمين، ولا خوف منهم على المسيحيين؛ لأنهم لا حول لهم

ولا قوة بأنفسهم وإنما هم مسخرون لخدمة بريطانية العظمى ينال كل منهم من

الحظوة عندها بمقدار خدمته لها وتمكين نفوذها في بلاده وسائر البلاد العربية كدأبهم

في جميع البلاد التي مدوا إليها أيدي مطامعهم.

فلما كان فيصل أكثر مواتاة لهم جعلوه ملكا لمستعمرة العراق الجديدة، وكم لديهم

من السلاطين والأمراء والألقاب الأخرى في المستعمرات والأملاك التي هي أوسع

من العراق استقلالا، ونفوذهم فيها أضعف وإن لم يسم انتدابا، ولو واتاهم أخوه

الأمير عبد الله من قبل لسبقه إلى ملك العراق، وليته إذ لم يقبل لقب الملك في

العراق لأنه بغير ملك، لم يقبل ما دونه في شرق الأردن، ويا ليت، ويا ليت،

ويا ليت.

وهل ينفع شيئا ليت ... ليت شبابا بيع فاشتريت

فعسى أن يثوب أهل سورية عامة إلى رشدهم من قريب ويغسلوا عنهم ما

لحقهم من عار التعصب وعدم الوطنية ويتحدوا اتحادا يضطر الأجانب إلى

احترامهم والرغبة في صداقتهم بدلا من استعبادهم، ولا يأبى المسلمون حينئذ أن

تكون حكومة لبنان مسيحية مستقلة لا سلطان عليها، وإنا نضمن ذلك لمن شاء بما

يقنعه، إن شاء الله.

نصيحتي للفرنسيس بتغيير سياستهم في سورية

قلت: إنني قد اضطررت بسبب حادثة طرابلس لإطالة المكث في بيروت

واشتغلت بمسألة الوقف بعد أن كنت وكلت من يقوم بذلك، وفي أثناء هذه المدة

جمعني بعض معارفي بموسيو (مرسيه لوي) وهو يحسن العربية، وكان قد

زارني بمصر فكان مما ذكره لي أنه يبلغهم عني غلو عظيم في شدة المعارضة

والمقاومة لهم ولكنهم لا يأخذون الكلام على علاته بل يتروون ويحققون إلى أن

يقفوا على الحقيقة، فقلت له: إن عندي قاعدة أتحرى تطبيق عملي عليها وهي أن

الرجل من لا يقول قولا يحتاج إلى إنكاره، وإنني أعدك وعدا مؤكدا بشرفي بأنك لو

سألتني عن كل ما نقل إليكم عني لصدقتك في الاعتراف الصحيح وإنكار ما عداه

لتعلموا مقدار غش جواسيسكم، وإلا فإنني أخبرك إجمالا بسيرتي في البلاد: إنني

لست قائما بدعوة إلى مقاومتكم ولا إلى تأييد خصمكم ولكنني من رجال الاستقلال

ومعارضي السلطة الأجنبية ومشهور بهذا، فأنا أصرح برأيي ومشربي إذا اقتضت

الحال ذلك ولا أنتقدكم بأكثر مما أنتقد به الإنكليز والشريف حسين والشريف فيصل،

وإنني معتقد أن محاولتكم استعمار سورية ليس خيرا لكم ولا لها ولو فرض أنني

اعتقدت أن استعماركم لها خير لها لما كان لي أن أصرح بهذا الاعتقاد المخالف؛ لما

يعلم كل الناس من مشربي وثباتي عليه، إذ يكون التصريح مظنة ريبة في كونه

اعتقادا عرض، قال: هذا كلام صحيح.

ثم شرحت له رأيي في بيان كون اقتسام سورية والعراق بينهم وبين الإنكليز

شرا لهم لما سيكون من عاقبته في عداوة العالم الإسلامي لهما وكون رغبتهم في هذه

القسمة أعظم من غبن حلفائهم بصغر حصتهم وعسر التصرف في أهلها وما يتوقع

من انقلاب النصارى عليهم وقد بدت بوادره، وإن الخير لهم في حصتهم من

سورية أن تكون مستقلة استقلالا صحيحا وجعلها صديقة لهم وحينئذ ينتفعون منها

باختيار أهلها من غير خسارة فوق ما ينالهم من النفع بسبب السيادة العسكرية فيها

ويربحون صداقة الأمة العربية كلها ويأمنون ضرر عداوتها وجعلها آلة بأيدي

الإنكليز، وذكرت له أنني نصحت للإنكليز بمثل هذه النصيحة [3] فمنعهم الغرور

والطمع والتعصب الديني من الإصغاء، ولخصت له معنى مذكرتي لرئيس الوزارة

البريطانية، وقد سبق ذكرها في المنار غير مرة فأعجبه كلامي واقترح علي أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٤٣