فرنسة في المسألة العربية كمثل جبار غاصب انتزع ضيعة لأسرة غنية من أيديها
وأعطى بستانا أو دارا منها لرجل كان مساعدا له فأي الرجلين أولى بخصام
أصحاب الضيعة؟ آلذي اغتصبها أم صاحبه الذي أخذ دارا واحدة أو بستانا منه
ولولاه لم يأخذ شيئا؟ وهل يليق بالأسرة المالكة للضيعة أن تتعادى وتتنازع في
تفضيل أحد الغاصبين على الآخر أم الواجب عليهم أن يتفقوا على ما يجب عمله
لاسترداد المغصوب؟
ثقل على كثير من وجهاء المسلمين قولي هذا من حيث كان مزلزلا أو مزيلا
لما كانوا يمنون به أنفسهم ويسلون به همومهم وزاد ثقله على تلك الأسماع ووقعه
في تلك القلوب إن كان ممن يوثق بعلمه ولا يتهم في إخلاصه وحسن قصده، وأنه لا
سبيل إلى نقضه أو رده، فمنهم من كان يقول: وكيف العمل، وإذا لم يعمل لنا فيصل
وولده فمن؟ ومنهم من يسألني بإدلال المودة والصداقة أن أكتم هذا لئلا ييأس الراجون
ويشمت المخالفون.
ذلك بأن أعضل أمراضنا الاجتماعية أننا تعودنا التواكل بيننا، والاتكال على
غيرنا، ولا تزال الأحزاب والجمعيات السياسية في سن الطفولة وقد رسخ خلق
التنازع بين أهل الأديان والمذاهب، وإذ كان النصارى معتزين بالفرنسيس لم ير
المسلمون بدا من الاعتزاز بالأمير فيصل وبأنصاره الإنكليز، وكنت أرى هذا
التناظر ضارا في الحال وسيئ العاقبة في الاستقبال، وأن الأولى بالفريقين أن
يتركوه ويرجعوا إلى أنفسهم فيعطوها حقها ولا يمتهنوها ويجعلوا جل اعتمادهم أو
كله على غيرهم، وأن يعرفوا حق وطنهم عليهم، وأنه يستحيل أن يعمر ويعتزوا
به ما داموا متناظرين متنابزين بسبب اختلاف الأديان والمذاهب، والاتكال على
الأجانب، وكنت أرى أن إظهار المسلمين لذلك التعلق بفيصل، وإن كان له ما لا
أنكر من الباعث الطبيعي، قد زاد في كره أبناء وطنهم النصارى له ولهم،
ونفورهم منه ومنهم، وحمل الفرنسيس على اتخاذه عدوا مبينا وتوطين أنفسهم على
مقاومة نفوذه في البلاد السورية وفي أوربة معا، وإنما كان يمتاز فيصل على
وجهاء الوطن السوري في السعي السياسي لاستقلاله بكونه قد عد من قواد الحلفاء
وأنصارهم، فكلامه أجدر بالقبول لدى حكوماتهم، فكان من المصلحة أن لا يخص
بعضهم بالولاء وبعضهم بالعداء، وأن لا يجعل أنصاره من المسلمين ما كانوا
يظهرون من التعلق به والاحتفال بغدوه ورواحه إغاظة للنصارى المعتزين بفرنسة،
وكنت أرى الصواب في هذه المسألة ألا يغتر المسلمون به ويتكلوا عليه، وأن لا
يخاف النصارى منه، فصرحت في بعض المقالات التي نشرتها في جريدة الحقيقة
للتأليف بين الفريقين على المصالح المشتركة بينهم في البلاد بأن فيصلا لا ينبغي
أن يخيف أحدا من أهل البلاد إذا كانوا متفقين على القيام بشؤون بلادهم؛ لأنه ليس
من أهل دولة أجنبية قوية يمكنه أن يستعين بمالها وجندها على جعل سورية تابعة
لها إذا هو ولي إمارتها بل يكون هو تابعا لها حتى إذا فرض أن عادت بلاده
الأصلية أو حاربتها لا يسعه إلا مجاراتها أو الاستقالة من إمارتها والخروج منها،
وضربت لذلك مثلا ملك البلاد الرومانية إذ اضطر إلى قتال أبناء جنسه النسبي وهم
الألمان اتباعا لإرادة أمته السياسية، وقد كان هذا القول مقنعا لخصوم فيصل، فلم
يرد عليه أحد، بل لم يكن أكثرهم يعلم أن الأمر كذلك، بل كانوا يظنون أن إمارة
فيصل على سورية وترك فرنسة لها يستلزم إلحاقها بالحجاز، وأن ملك الحجاز
رئيس ديني للمسلمين كالبابا عند الكاثوليك، وقد صرحت في ذلك المقال بتخطئتهم
في هذا الاعتقاد أيضا.
وقد رضي المسلمون بما كتبت في هذا المقال وسرهم عدم انتقاد النصارى له
ولو جروا على هذه الخطة قولا وكتابة وكفوا عن ذلك المسلك الذي سلكوه في شأنه
لوقفت المعارضة له من الفرنسيس وأعوانهم عند حد ولم تنته إلى ما انتهت إليه،
ولما كان تأثير عاقبة أمره في المسلمين أليما شديدا كما كان، ولكن ذلك البيان لم