تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العضو الأول فيه، وفي البلاد مصالح إسلامية خاصة أنت أولى بإصلاحها أو إدارتها

ونود أن تكون مستشارا للحكومة العليا في البلاد لتكون خدمتنا لها على الوجه

المرضي للمسلمين أصحاب الأغلبية في البلاد وأن إدارة هذه البلاد من أشق الأمور

وأصعبها لكثرة الأديان والمذاهب المتعادية فيها (وذكر أكثرها وأطال في استمالتي

والثناء علي بلطفه وبشاشته) .

فشكرت له هذه العناية والثناء واعتذرت عن الانتقال من مصر إلى سورية

بما لا حاجة إلى الإطالة به.

وكان اتفق في هذه الأثناء أن دعا الحاكم العام للولاية (موسيو نيجر) أكابر

وجهاء المسلمين المعارضين لتأليفهم وسماع ما ينكرون على السلطة الفرنسية وما

ينقمون منها، فكان أشد ما ذكر له مما نقموا وأنكروا حادثتنا هذه، تكلم فيها في ذلك

الاجتماع وغيره أكبر العلماء مفتي الولاية الشيخ مصطفى نجا والشيخ أحمد عباس

وأيدهما كبار الوجهاء المشهورون بالشجاعة الأدبية كالمرحوم أحمد مختار بيهم

وأبي علي سلام، فأكبروا من شأن صديقهم خادم الإسلام والوطن فحمل ذلك الحاكم

على أن يطلبني ليسمع تفصيل الحادثة مني فاتفق أن طلبني مدير الأمن العام في

الوقت الذي حدده لي كتابة.

جئت دار الحكومة بعد العصر من ذلك اليوم فقابلت مدير الأمن أولا فأعطاني

أوراقي وبلغني عن حاكم مدينة بيروت الإداري أنه يجب أن أسافر إلى مصر في

أول باخرة تسافر من بيروت إلى الثغور المصرية، ثم دخلت على الحاكم العام

فرحب بي واعتذر عن الحادثة متأسفا لوقوعها وقال: إنها بلغته من مصادر مختلفة

فأحب أن يعرف الحقيقة مني قبل سفره إلى طرابلس فلخصتها له، فأعاد التلطف

في الاعتذار ووعد بالتحقيق ومعاقبة المسيئين فقلت له: ذلك شأنكم، ولكن مدير

الأمن العام بلغني الآن أنكم حكمتم علي بالنفي من البلاد ولم يبين لي سبب هذا

الحكم القاسي، فهل هذا ما وعدتم به من العدل؟ وأنا لا يهمني عقاب أحد بعزل ولا

غيره لأجلي، فإن هذه الإساءة رفعت من قدري في نظر أبناء وطني، ولكن حاكم

طرابلس أرسل إليكم جميع أوراقي ما عدا الأوراق الرسمية المتعلقة بالوقف،

ولخصت له خبرها، فأنا لا أطلب إلا استرجاعها لأجل إتمام المعاملة الرسمية في

الولاية بها، فظهر الاستياء على وجهه وكتب أمرا بإلغاء حكم النفي معتذرا عنه

وأما أوراق الوقف فوعد بأن يحضرها معه، ثم ذهب إلى طرابلس وبحث مع

حاكمها العسكري في ذلك وبلغني أن هذا قد احتج لنفسه بأن البوليس فعل ما تقتضيه

وظيفته إلا إساءة المعاملة، وأما هو فلما علم بحقيقة الحادثة حولها إلى الولاية ولم

يسئ في شيء - وقد صدق في هذا - وبلغني أنه وبخ لبنان وصاحبه حنا وهددهما،

وهكذا كان شأن السلطة الفرنسية بسوء اختيار الموظفين، تقع في المشكلات وتحاول

تلافيها فلا تحسنه ثم تعود إلى مثل ما اعترفت بقبحه لأنها لم تزل سببه وعلته. على

أن إزالة ذلك ليس بالخطب السهل ولا محل لبيان ذلك هنا؛ لأننا لا نكتب ما نراه

لتحسين الإدارة وإنما نكتب خلاصة تاريخية.

تعلق مسلمي الساحل بفيصل وتأثيره

قد كان استغرابي لاغترار المسلمين بالإنكليز وفيصل عظيما جدا ولا سيما بعد

تنفيذ الإنكليز لمعاهدة سنة 1916 فاقتسام البلاد العربية بينهم وبين فرنسة، وأغرب

من ذلك استغرابهم لتخطئتي إياهم في ذلك وإعلامهم بما لم يكونوا يعلمون من أمر

ثورة الحجاز وحقيقة حال ملكها والأمير فيصل، وطمع الإنكليز في السيادة على

جميع البلاد العربية ما عدا هذه الحصة التي أعطتها لفرنسة من سورية، ولجزمي

بأنها لن تعود إلى منازعتها فيها وانتزاعها منها لتعطينا إياها، وإنما يجوز بل

يرجح أن تأخذها منها في يوم من الأيام إذا استقرت قدمها الاستعمارية فيما حولها

من البلاد، وأن تستخدمنا في ذلك كدأبها في ضرب الأمم بعضها ببعض.

كنت أقول في كل مجلس يدور فيه البحث في أمر البلاد أن مثل إنكلترة مع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٤٠