تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعلم اليهود أنهم يحاولون قلع الجبال ولا يحصلون على أدنى طائل، وأن الفلسطينيين

كالسوريين والعراقيين وكالمصريين من قبل، لن يفتأوا ناصبين للإنكليز العداوة حتى

يقلعوا عن سياسة الاتجار بالأمم، ويفهموا خطر اللعب بالعهود والمواثيق ويعرفوا أن

الأمة العربية هي كلها من وراء الفلسطينيين لا تدع بلادهم مجالا للأطماع ولسان حالها

يقول: ودون عداوتي كلأ جداع.

انظر إلى اليمانيين الذين خالت إنكلترا أن الإحاطة ببحرهم وقطع الاتصال

بينهم وبين الدولة العثمانية مدة سنين يكون كفيلا بنزولهم على حكم الإنكليز وصرم

حبال آمالهم في الدولة والخلافة، فكان الأمر على عكس ما ظنت، وبعد أن كان

اليمانيون تحتاج الدولة إلى بسط سيادتها عليهم إلى أربعين أو خمسين طابورا

بصورة دائمة انقلبوا بأسرهم عثمانيين بدون عساكر بين أظهرهم وقاموا هم مقام

العساكر وشدوا روابط تابعيتهم للدولة والخليفة عن ذي قبل، ورفضوا أن يسمعوا

بشيء من جميع هذه المعاهدات التي تعقد في باريز ولندرة ولم يكتفوا بالمرابطة

في منطقة عدن ومنع الإنكليز عن الخطو إلى الأمام قدما واحدا حتى حصروهم في

مرسى الحديدة الذي كانوا احتلوه، بل اضطروهم إلى الجلاء عن الحديدة بما

أجهضوهم طول هذه الأشهر بالقتال غدوا ورواحا وكانت إنكلترة راسلت حضرة

الإمام يحيى مرارا وعرضت عليه (الاستقلال) الذي أعلقت بأحابيل وعده كثيرا

من أمراء العرب فلم يغتر كغيره، وأجابها بأنه لا يبرح عثمانيا هو وقومه وجميع

أهل اليمن من تهامتها إلى نجودها، ومن حضرموتها إلى عسيرها، ولن يقبل أن

يطأ الإنكليز شبرا واحدا من أرض اليمن ولا أن يتدخلوا بين أهل اليمن وبين

الخليفة العثماني الذي لا يعرفون سواه، ولما كان قد عجم الإنكليز عود الإمام يحيى

ورأوا من صلابته حذروا من التصريح بشيء في أمر اليمن في معاهدة سفرس

خشية سرعة التكذيب وازدياد الخطب، ولكن حضرة الإمام خاطب السلطان محمد

وحيد الدين والي الآستانة وأكد له استمساكه بعروة خلافته وبقاء جميع اليمانيين من

شافعية وزيدية في حوزة طاعته، وقريبا نطلع القراء على صورة كتاب حديث

العهد قد ساعدنا الحظ بالاطلاع عليه صادر عن الإمام المتوكل على الله يحيى حميد

الدين وكتاب آخر من محمود نديم بك الوالي العثماني الذي كان في اليمن ولا يزال

واليا فيها باسم الدولة العثمانية، صادرا هذا الكتاب عن محلته في مناخة منبئا بزحفه

على باجل والحديدة بناء على طلب سادات وأشراف تهامة [3] مما جاءت فيما بعد

تلغرافات الجرائد الإنكليزية مؤيدة له، بل رواية على حوادث تلك النواحي، مما

زاد على ما جاء في الكتاب المذكور.

وانظروا إلى العثمانيين الذين ظن الإنكليز أنهم يحملون أمير مسقط على

تجريدهم من سلاحهم فكان منهم أنهم خلعوا ذلك الأمير وحصروه في مسقط وما

زالوا في الثورة حتى أقلعت إنكلترة عن مزاعمها هذه وتركوا لهم سلاحهم وعاشوا

طول أيام الحرب أحرارا لم تقدر إنكلترة أن تتعرض لهم بأدنى سوء ولا يزالون

على استقلالهم التام بحماية ضيوفهم.

أما مصر فإننا سنفرد لثورتها ونهضتها مقالا مخصوصا، ولكن نقول هنا

بالجملة إنها نالت ثمانين في المائة من مطالبها، هذا من جهة العرب، وأما من

جهة الترك فكانت فرنسة تظن أنها تبتزهم ولاية أطنة الحصينة وأنهم بتتابع

حروبهم ومحنهم لا سيما هذه السنوات الأخيرات يكونون قد بلغوا حد الإشفاء، ولم

يبق عندهم رمق يقوم بهم إلى الدفاع فكانت نتيجة احتلال فرنسة لكيليكية خسارتها

مائة مليون ليرة ونحو عشرين ألف جندي والخروج منها ببعض شروط اقتصادية

كانت تقدر على نيلها بدون سفك دم ولا هتك ستر، ولكنها اصطنعت قوما ظنتهم

صاروا ألين من حمل النعام فإذا بهم لم يزالوا أفذ من ريش القنفذ وعلمت أنهم لن

ينفكوا عن القتال عن ديارهم مهما درجت الأيام وكرت الليالي فعدلت معهم عن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٠٣