تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المخاشنة إلى المحاسنة، وأخذ الجنرال غورو ينوه بمحامد الترك وحسن عهدهم

ومحافظتهم على أصول الحرب، وأنه لولاهم لكان الآن من الغابرين؛ لأنه لما

جرح وطاحت يده في إحدى وقائع الدردنيل نقل إلى سفينة استشفائية رافعة علم

(الصليب الأحمر) فمع كون الألمان لم يتوقفوا في الحرب عن ضرب مستشفيات

كهذه (أظن أكثر المتحاربين لم يراعوا قواعد الإنسانية في هذه الحرب لا الألمان

وحدهم) أمسك الأتراك عن ضرب تلك السفينة التي كان فيها غورو مع قدرتهم

على إغراقها.

نعم صرح الجنرال غورو بهذه الشهادة في مجلس الشيوخ في أخريات هذه

الآونة عندما تقرر إخلاء كليكية ولكنه نسيها طول تلك المدة التي كان يذبح فيها

أتراك أطنة ومرعش وعينتاب في بحبوحة أوطانهم أملا بالاستيلاء على تلك

الولاية، فأما قصة الإمساك عن ضرب البارجة التي نقل إليها عند جرحه في

الدردنيل فقد سألت عنها منذ أيام قلائل وهيب باشا الذي كان قائد الجيش العثماني

في شطر الأناضول من (شناق قلعة) والذي كان هجوم الفرنسيس من جهته فقال

لي هكذا: إن الجنرال غورو لم ينقل إلى بارجة من بوارج المستشفيات كلا، بل

نقل إلى بارجة رفعت علم الصليب الأحمر زورا وهذا مخالف لقوانين الحرب،

وعلى ذلك كان صدر الأمر من الجنرال ليمان فون سندرس باشا قائد القوات

العثمانية في الدردنيل بالضرب على هذه البارجة الحربية التي تحولت بغتة إلى

مستشفى، فأبيت أنا إنفاذ هذا الأمر قائلا: يكفي أنهم التجأوا إلى الصليب الأحمر،

فنحن نكف عنهم حرمة له، آثرنا استقصاء هذه القصة لما فيها من الدلالة على

مكان أخلاق الشرقيين، وعلى كون الغربيين قد يقرون بها عندما تقضي عليهم بذلك

السياسة، ويغمطونها عندما يرون أنفسهم في غنى عنها.

ثم إن الإنكليز رتبوا على تركية معاهدة سيفر، ولم يدر في خلدهم أن هناك

أمة تنهض من العدم إلى الوجود في وجه الدول الغالبة في إبان عز وعنجهية ظفرها،

وتقول لهم بلسان حالها: إنكم حيث نسيتم مواعيدكم باستقلال الشعوب كل في

دائرة سواده الأعظم وظهرتم قبل الظفر بمظهر وبعد الظفر بمظهر آخر واحتقرتم

بهذا التقلب أنفسكم، فاسمحوا لنا نحن أيضا بأن نحتقركم وبأن لا نخضع لمقررات

مؤتمركم وبأن نعامل مركزكم المادي الناهض كما نعامل مركزكم الأدبي الساقط،

وإن كنتم معتمدين على ضعفنا وتجريدنا من سلاحنا واحتلال عاصمتنا وحصر

سواحلنا ووضع اليد على تجارتنا فاعلموا أن لضعفنا حدا وإن لعجزنا أمدا وإن لنا

سلاحا من عزائمنا وبرد يقيننا وجلاء حقوقنا ومنعة مواقعنا وسعة أراضينا ووعورة

مسالكنا وقلة احتياجاتنا، ومن صبرنا على البلاء وبياتنا على اللأواء وأن لنا من

جميع الشعوب الشرقية عضدا ومن العالم الإسلامي ردءا، ومن طبقات العملة

والاشتراكيين في جميع الدنيا حاميا ونصيرا، ومن لنين وحزبه مؤنسا وسميرا، بهذا

كانت تتناجى ضمائر الأتراك وتتراسل جوائش صدورهم بعد أن علموا سوء نية

الحلفاء وعملهم على الغدر بهم، فقيض الله لهم من مصطفى كمال من جسم هذه

الأفكار أفعالا وألبس هاتيك الخوالج من العمل رداء فما شعروا إلا وفي الأناضول

شعب يقول لبريطانيا العظمى: قفي فلن تكون إرادتك هي الأقدار الإلهية ولن تبلغي

السماء طولا وإننا لقوم نريد أن نعيش كما يعيش غيرنا، وإن هذا الصلح الذي

تحملوننا عليه هو محو لوجودنا ولسنا له بمقرين، وليس الحرب بأشد خطرا علينا

منه ولا الموت الذي تهددونا به أمر في أفواهنا من الصلح الذي تعدوننا به لا فرق

بين الموت الأحمر والأبيض، فكان جواب لويد جورج بما معناه أن معاهدة سيفر

هذه آيات منزلات من السماء لن تقبل تحويلا ولا تعديلا، ومنع الوفد التركي من

الكلام وسد على لهواتهم في الخصام أولا وثانيا ورماهم بالجيش اليوناني تعضده

الجنود الإنكليزية ودوارع بريطانية العظمى وفتح لليونان خزائن إنكلترة لميرة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٠٤