عادت هي تستصرخ الملك فيصل وذويه إلى حمل العراق على قبول حكومة وطنية
يكون لهم فيها الاستقلال الداخلي ويكون لإنكلترة النيابة الخارجية وعادوا هم لا
يرضون بهذه الدرجة من الاستقلال ويريدونه تاما ويتنجزونه باتا مطلقا، ولا
يرضخون للإنكليز إلا عن بعض مسائل اقتصادية لا غير مع أن العراق قبل
الحرب العامة لم يكن يحسب أحد أنه ينطوي على مثل هذه القوة، ولا أنه يقتضي
لتدويخه أكثر من توابير معدودة، ولكن الحرب العامة أضاعت كل حساب وأتت
من ظهر الغيب بما كان يظن من الأحلام. ومثل ذلك سورية التي كانت تظن فرنسا
أنها تقبض عليها بمجرد خفوق العلم الفرنسوي على ثكنة بيروت، قد كلفت فرنسا
إلى الآن أزيد من 100 مليون ليرة وعشرات ألوف من العساكر، ولم تكسب من
وراء ذلك سوى زيادة الأحقاد والإحن وإلقاح العداوات والفتن وكون من كان يناويها
قبل الاحتلال قد ازداد برأيه يقينا وبمذهبه استبصارا ومن كان يميل إليها قبل أن
خبرها من قريب وقارفها تحت العمل قد تحول عنها تحولا فات فيه أعداءها
الأصليين، واتفقت كلمة الجميع على طلب الاستقلال التام، ولو كان كل يسعى به
إلى ناحية وطنه، فاللبناني ينادي باستقلال لبنان والسوري ينادي باستقلال سورية،
والفلسطيني ينادي باستقلال فلسطين، وليس من كل هؤلاء من يرضى بسيطرة
فعلية لفرنسا أو إنكلترا أو لغيرهما، بل غاية ما هناك عدة مأمورين من باعة الذمم
وتجار الضمائر وعدة صحف من قبيل الربابات المعروفة عند البدو، أو زمور
الأعراس يعزف عليها العازف لمن شاء ولمن بيض البخت على رأي أصحاب هذه
الآلات، فهؤلاء لا يزالون يتشدقون بلفظة (انتداب) ويتمنطقون بكلمة (إرشاد)
وعبارات مموهة وجمل مزخرفة من قبيل (الأخذ باليد في معترك الحياة) ومن
طائفة (تسديد الخطوات إلى السير في طريق التقدم) وما أشبه ذلك من الكلمات
الفارغة المخالفة للواقع وتشدقهم يدوم ما دامت يد فرنسة في حلوقهم وما دام سيفها
مسلولا أمام أعينهم، فأما ولا بد لفرنسا وقد بلغ دينها 388 مليارا أي أربى على
مجموع ثروتها العمومية بكثير (لأن مجموع ما تملكه فرنسة لا يزيد على 280
مليارا) من أن تعجز عن متابعة بذل المبالغ الطائلة على جيش احتلال سورية كما
عجزت عن متابعة غزو كليكية، فبمجرد تقلص الظل العسكري من هناك تحس
فرنسا بخيانة هؤلاء الذين إذا كانوا خونة لأوطانهم، فهم أولى بأن يخونوها هي
وأن لا يصدقوها القول ولا ينخلوا لها النصيحة، وأن يقلبوا لها ظهر المجن عند
أول غرة لائحة، وسواء كان مثل هؤلاء معها أو عليها فلن يقدروا أن يؤثروا شيئا
في تحويل مجرى الأحوال العامة إذ لا بد لأهل سورية من نيل استقلالهم التام
الناجز المحقق بالفعل العالي عن المماطلة المرتفع عن المغالطة، ولا بد لفرنسا من
الرجوع في أمر سوريا لا إلى رأي (السوسياليت) فقط بل إلى رأي كثير من
الحزب المعتدل، بل إلى رأي (المسيو بوانكاره) نفسه وهو القيام في سورية بمهمة
استشارية محضة، بل كيف تقلبت الأمور فالعرب لن يتركوا سورية لفرنسة، ولا
بد من أن يأتي اليوم الذي ترجع فيه فرنسة إلى طريقة إنكلترة في العراق، بل إلى
أقل منها على حين يكون ما تركته من الحقد في قلوب العرب حائلا دون كل امتزاج
مانعا من كل هوادة بين الفريقين.
وأما فلسطين، وما أدراك ما فلسطين؟ ! فإن إنكلترة قد ظنت مجرد إعلان
معاهدة الصلح ووصايات عصبة الأمم والأمر الملكي الصادر لأهل فلسطين بتقرير
هذه البلاد وطنا قوميا لليهود وفقا لتصريحات (بلفور) في أواخر أيام الحزب - ظنت
كل هذا كافيا للفت في أعضاد الفلسطينيين والفل من غروب عزائمهم بحيث يستنيمون
إلى الطاعة ويخلدون إلى السكون على قلة عددهم ونقصان شرائط انتقاضهم، فرأت
من هذه الجهة أيضا لمحا باصرا، وحملت من حماية اليهود أمرا إدا وسوف تعلم هي