الطبيعيات ثم الالهيات ولكل واحد منها فروع تتفرع عنه
واعلم ان اكثر من عني بها في الاجيال الامتان العظيمتان فارس والروم فكانت اسواق العلوم نافقة لديهم لما كان العمران موفورا فيهم والدولة والسلطان قبل الاسلام لهم وكان للكلدانيين ومن قبلهم من السريانيين والقبط عناية بالسحر والنجامة وما يتبعهما من التأثيرات والطلسمات واخذ عنهم الامم من فارس ويونان ثم تتابعت الملل بحظر ذلك وتحريمه فدرست علومه الا بقايا تناقلها المنتحلون
وأما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما ولقد يقال ان هذه العلوم انما وصلت إلى يونان منهم حين قتل اسكندر دارا وغلب على مملكته واستولى على كتبهم وعلومهم الا ان المسلمين لما افتتحوا بلاد فارس واصابوا من كتبهم كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستاذن في شأنها وتنقيلها للمسلمين
فكتب اليه عمر رضي الله عنه ان اطرحوها في الماء فان يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه وان يكن ضلالا فقد كفانا الله تعالى فطرحوها في الماء أو في النار فذهبت علوم الفرس فيها
وأما الروم فكانت الدولة فيهم ليونان اولا وكان لهذه العلوم شأن عظيم وحملها مشاهير من رجالهم مثل اساطين الحكمة واختص فيها المشاؤون منهم اصحاب الذوق واتصل سند تعليمهم على ما يزعمون من لدن لقمان الحكيم في تلميذه إلى سقراط ثم إلى تلميذه افلاطون ثم إلى تلميذه ارسطو ثم إلى تلميذه اسكندر الافرودوسي وكان ارسطو ارسخهم في هذه العلوم ولذلك يسمى المعلم الاول ولما انقرض امر اليونانيين وصار الامر للقياصرة وتنصروا هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع وبقيت من صحفها ودواوينها مجلدات في خزائنهم