تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لمن تلقاه فيلقن ذلك عنهم ويحرص على أخذه وعلمه ويرجع إلى ما استفاد عنه إما من الأفواه أو من الدوال عليه فهذا ميل طبيعي من البشر إلى الأخذ والاستفادة فمنهم من ساعده فهمه ومنهم من لم يساعده مع ميله إليه وأما عدم الميل فلأمر عارضي كفساد المزاج وبعد المكان عن الاعتدال ولا اعتداد به ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى واحد واحد من الحقائق وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد آخر ويتمرن على ذلك حتى يصير لتلك الحقيقة علما مخصوصا وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشىء إلى تحصيل ذلك فيفزعون إلى أهل معرفته ويجيء التعليم من هذا فقد تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في البشر ( 1 )

الإفهام الثاني في أن العلم والكتابة من لوازم التمدن

اعلم أن نوع الإنسان لما كان مدنيا بالطبع وكان محتاجا إلى إعلام ما في ضميره إلى غيره وفهم ما في ضمير الغير اقتضت الحكمة الإلهية إحداث دوال يخف عليه إيرادها ولا يحتاج إلى غير الالات الطبعية فقاده الإلهام الإلهي إلى استعمال الصوت وتقطيع النفس الضروري بالآلة الذاتية إلى حروف يمتاز بعضها عن بعض باعتبار مخارجها وصفاتها حتى يحصل منها بالتركيب كلمات دالة على المعاني الحاصلة في الضمير فيتيسر لهم فائدة التخاطب والمحاورات والمقاصد التي لا بد منها في معاشهم ثم إن تركيبات تلك الحروف لما أمكنت على وجوه مختلفة وأنحاء متنوعة حصل لهم ألسنة مختلفة ولغات متبائنة وعلوم متنوعة

ثم إن أرباب الهمم من بني الأمم لما لم يكتفوا بالمحاورة في إشاعة

أبجد العلوم · الجزء ١ · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبجد العلومج ١ · ص ١٥٥