| وعائلاتهم لما أخذ العساكر في النزول إلى المراكب أرسل إليه الكومودور نابير | بأن يترك في مدينة غزة كل من بجيشه من السوريين ليرجعوا إلى بلادهم وجبالهم | لما أن الشام قد انسلخت عن مصر وأعيدت إلى الحكومة العثمانية فالتزم | بتركهم وكان لذلك تأثير محزن في قلوب المصريين لما علموا أن كل أتعابهم وما | سفكوه من دمائهم وما فقدوه من إخوانهم في ميادين القتال لم يعد على وطنهم | بشيء بل ذهب أدراج الرياح ولكنهم تسلوا عن ذلك بما نالوه من الشرف | وأكسب وطنهم فخرا مخلدا ومجدا مؤبدا .
ومن غريب المصادفة وأعجبها أن رجوع إبراهيم باشا مع جيشه إلى | الإسكندرية وافق يوم خروج الدونانمة التركية من مينا الإسكندرية في 23 يناير | سنة 1841 بعد أن مكثت بها ستة أشهر تقريبا والتزم محمد علي باشا بردها | إلى الدولة العلية بمقتضى الوفاق الذي أبرم بينه وبين الكومودور نابير في 27 | نوفمبر سنة 1840 ، فكان لهذا التصادف وقع محزن في قلب محمد علي باشا | لضياع أتعابه هدرا وهباء منثورا ، لكنه علم أنه يلزمه ومن الواجب عليه أن | يفرغ جهده ، ويبذل همته في ترقية مصر وإصلاح شؤنها فإنها لو اعتنى بأمرها | لدرت أضعافا مما ينتج منها وهي على هذه الحالة .
ولم يظهر محمد علي باشا ألما مما أصابه من ضياع ولايتي الشام وكريد اللتين | صرف فيهما الأرواح العزيزة والأموال النفيسة بل أظهر أن قصده الوحيد هو | ترقية مصر وإدخالها في سلك الأمم المتمدنة ، وأن الأحوال اضطرته إلى فتح | البلاد الشامية لا عن سبق إصرار ولتبليغ ذلك إلى الدول أمر باغوص بيك ناظر | خارجيته أن يرسل لها منشورا يقول فيه أن الله قد من على مصر بانتهاء الحرب | طبق إرادته سبحانه وتعالى إذ لا يحصل في العالم شيء إلا كما قررته إرادته في | الأزل وأبرزته قدرته إلى الوجود وأن جلالة السلطان المعظم قد منحته ولاية | مصر له ولذريته إلى ما شاء الله وأنه يشكر الدول العظام على مساعدتهم إياه | على نوال هذه الغاية ، التي لولاها لما حصل عليها ، وأنه سيفرغ ما في وسعه |