تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أراد أن يفهم قريشاً أنه لا يصح لها أن تستمر على موقف القوة الذي تقفه منه فتعامله معاملة الضعيف الفار من وجهها الهارب من عدوانها الناجي بدينه منها، فتظل على تفكيرها في قتله أو الظفر به، ولم يجد وسيلة لذلك أحسن من أن يرسل السرايا من المسلمين لتقطع عليهم طريق التجارة إلى الشام، ولتشيع هنالك الفزع والخوف فلا يجرؤ أحد على اقتحامه، أو السير منه إلا بقوة مدججة بالسلاح، وحينئذ يحسبون حساب الحركة والانتقال، أو يتحولون بتجارتهم إلى طريق آخر أكثر مشقة، وأبعد مدى، وفي هذا تعطيل رحلاتهم وكساد تجارتهم وإيلام لنفوسهم، وإثارة لحفيظتهم، وأكد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأحلاف التي ربط بها بينه وبين القبائل والأقوام المختلفة التي تستوطن هذا الطريق، ذلك المعنى الذي قصد به حرب العصابات التي تشنها جماعاته على قوافل التجارة، وكان الهدف الذي يرمي إليه أن تفكر قريش في تسوية حسابها معه - كما يقولون - اعتداء يستطيع المسلمون في مكة في ظلها أن يعيشوا في سلامة من شرهم، وبعد عن إيذائهم.

ويترتب على ذلك أن المنافقين واليهود في المدينة يكفون عن نوايا السوء التي يضمرونها، والخطط الخبيثة التي يرسمونها، ولم يمض عامان كاملان على اغترابه في المدينة حتى كان في استطاعته أن يلتقي بهم وجها لوجه ملاقاة الند للند، وكان له جيش يستطيع به أن يتهدد بقاءهم، ويشرد جموعهم، ويشيع في صفوفهم الهلع والرعب.

وبعد ثمانية أشهر من إقامته بالمدينة بعث بعمه "حمزة بن عبد المطلب" في ثلاثين راكبا من المهاجرين فالتقوا بأبي جهل بن هشام في ثلاثمائة من أهل مكة كان حمزة هو وجماعته على استعداد لقتلهم لولا أن حجز بينهم جهنى كان موادعاً للطرفين.

وسار "عبيدة بن الحارث" عقب هذه المسيرة في

ستين راكبا ليقطعوا الطريق على أبي سفيان ومائتين كانوا معه، وقد انسحب أبو سفيان ومن كان معه وخرج كذلك سعد بن أبي وقاص في ثمانية.

من فيض الرسالة · الصفحة ٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٩١