تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقيم، ويعاني ويتحمل، ومن حقه أن يجعل مكة مقرا له، أو المدينة مركزاً للقيادة.

وفي هذه الهجرة ظهر أنه - صلى الله عليه وسلم - من كبار الساسة الذين لا يغلب دهاؤهم، ولا يضعف احتمالهم، ولا تضيع جهودهم، ولا يخدع رأيهم، ولا يطيش صوابهم، وقد تبين ذلك كله في أمور:

منها تركه عليا - كرم الله وجهه - مكانه متغطيا ببردته الخضراء التي كانوا يعرفون أنها تلازمه ولا تفارقه، ليظنوا أنه لا يزال في مكانه نائما كعادت، ه فإن حاولوا أن يداهموا كان الأمر على غير ما يتوقعون، والشأن على خلاف ما يقصدون، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، ولذلك ذهلوا حينما علموا أن النائم علي، وكانت هذه أول هزيمة أصابتهم في الصميم، وجعلت روحهم المعنوية هزيلة كئيبة، ولم يشكوا عندها أنه قد سقط في أيديهم.

ومنها أنه لم يترك مكانه لعلي إلا وهم يرصدونه أمام بيته.

وقد طلع عليهم وهم في سنة من النوم فرمى التراب على وجوههم، وفوق رؤوسهم قائلاً: (شاهت الوجوه) إذلالا لهم واحتقاراً لشأنهم، ولذلك تطامن كبرياؤهم، وتضاءلت عظمتهم، وبدا على وجوههم الصغار والخزي.

ومنهم أنه لم يخرج من مكة إلا في النهار ليسجل عليهم فشل محاولاتهم التي حاولوها، وبطلان تآمرهم الذي اجتمعوا له وفكروا فيه ودرسوه دراسة خاصة، وقلبوه على كل وجه يحتمله، وذلك لأنه نام في غار ثور، إلى الصبح حيث عاد إلى مكة ليصحب معه أباً بكر، وقد ظل هو وأبو بكر ثلاثة أيام في الغار حتى أحضر خادم أبي بكر، البعيرين اللذين ركبهما أبو بكر، وصاحبه، وكان القصد من لقائهما في الغار - الذي لا يبعد عن مكة إلا بساعة واحدة من الزمن - ألا يدركهما القوم إذا ما جدوا المسير في طلبهما.

من فيض الرسالة · الصفحة ٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٧٥