ثم حضر في العام الذي بعده في موسم الحج - أيضاً أثنا عشر رجلاً، بايعوه عند (العقبة الثانية) لهم ولنسائهم الذين تركوهم في المدينة، وفي العام الثالث حضر من الأوس والخزرج وفد ثالث مؤلف من ثلاثة وسبعين رجلاً بايعوه عند العقبة الثالثة على كل نصرة وعلى حرب الأسود والأبيض، ورغبوا إليه أن يتخذ المدينة، موطنا له لتطلع منها شمس الدعوة رائعة وهاجة على العالم كله من غير أن يحجب نورها حجاب، أو يقف في سبيلها جهول أو يصد انبساط ضيائها أحمق.
ولما سري خبر هذا العرض الطيب ذهب جماعة من قريش إلى أولئك الضيوف الحاجين إلى بيت الله الحرام وعتبوا عليهم أشد العتب أنهم يأخذون عدوهم من بينهم ليحموه في بلدهم ويصونوه من خصم يطلبه، أو غريم يبحث عنه في الوقت الذي يفكرون هم في قتله ليستريح العالم من شروره.
وقد أكد الوفد لقريش أن شيئاً من ذلك لا يكون وحينئذ تسلل هذا الوفد إلى المدينة وشاع
الخبر في أثرهم أنهم خدعوا قريشاً بهذا الرد الذي ردوا به عليهم وأن الخطة التي دبروها مع (مُحَمَّد) والعهد الذي أخذوه أن يتخذ (الْمَدِينَةَ) منارة للرسالة وموطنا للدعوة وأنه هو جاد في ذلك وأنهم هم جادون في نصرته والعمل في صفوفه.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ بايع الوفد الأول، قد أرسل إليهم (مصعب بن عمير) يعلمهم القرآن وينير لهم بعض المسائل التي تشتبه عليهم في الدين.
وكان اليهود بالمدينة يهددون الأوس والخزرج بأنهم سيظفرون بهم وينتصرون عليهم بالنبي الجديد الذي سيسارعون إلى اعتناق دينه عندما يصل إليهم خبره فكان هذا عاملا من عوامل سريان الدعوة مسرعة
إلى صفوف الأوس والخزرج حتى لا يسبقهم اليهود باتباعه والإيمان به، وبذلك يتمكنون منهم ويظهرون عليهم ويكيدون لهم.